المدونة

ميديا ساك

كيف رأت المرأة صورتها في الأمثال العامية الحضرمية؟

 15 فبراير 2024

المكان: القاهــــــرة.

الزمان: 1985م.

حتى مطلع القرن العشرين الميلادي، كانت لدى الفتيات تساؤلات جمَّة، لكنهن لم يقمن بالبحث إلا عن إجابة لسؤال وحيد. لقد كان سؤالًا جوهريًّا تمت صياغته بهذه العبارة: « من يَكُنَّ البنات؟ ».

في البدء، لطالما حسبت الفتيات أن الإجابة تكمن في كتب « الأنثروبولوجيا »، أو في مناظرات الفلاسفة، وتأملات المفكرين. لم يتوقعن أن تأتي الإجابة هذه المرة من شاشة التلفزيون، تأتي على هيئة أغنية من كلمات الشاعر صلاح جاهين وألحان الفنان كمال الطويل، تغنت بها سندريلا الشاشة العربية سعاد حسني بالتعاون مع الفنان أحمد زكي في شارة المسلسل المصري «هو وهي» الذي علَّم الأجيال أن البنات البنات ألطف الكائنات.

لقد صدق الشاعر صلاح جاهين في وصفه للبنات، إنهن الملهمات، والماجدات، واللطيفات حتى المنتهى. يبدو أن هذا ما فهمته المرأة في حضرموت من شارة مسلسل «هو وهي»، حتى تولدت لديها رغبة في تكشف مزيد من تفاصيل اللطف النسوي، فذهبت إلى المكتبة السلطانية والأمل يحدوها بأن تجد كتابًا ترى من خلاله صورة المرأة الحضرمية عبر التاريخ. وما كانت إلا دقائق حتى وقع أمامها « معجم الأمثال والاصطلاحات العامية المتداولة في حضرموت » للمؤرخ محمد عبد القادر بامطرف، هناك حيث رأت -بوضوح- صورتها من خلال الأمثال العامية.

عندما أمسكت المرأة الحضرمية « معجم الأمثال والاصطلاحات العامية المتداولة في حضرموت » وجدت مرجعًا موسوعيًّا ضخمًا يزيد عدد صفحاته عن 600 صفحة. لقد كانت تجربةً جديدةً لها مع القراءة، القراءة التأملية لا القراءة لغرض التسلية وإمتاع الخيال، إنها اللحظة التي قدَّمت لها صورةً أخرى عن المرأة. هذه المرة لم يكن البنات ألطف الكائنات كما رأى الشاعر صلاح جاهين عن كتابة كلمات أغنية شارة مسلسل «هو وهي»، إنها تبدو على هيئة على نحوٍ آخر في الأمثال الحضرمية.

يقول المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف في كتاب « معجم الأمثال والاصطلاحات العامية المتداولة في حضرموت »”وبما أن بعض الأمثال نابعة من تجارب المجتمع الذي يلعب فيه عامل القوة البدنية المتفوق دورًا مهمًا وأساسيًّا، فإن المرأة في الأمثال العامية تمثل دور التابع للرجل. وحتى في هذه الدرجة من التبعية فإنها في المجتمع دائمًا ما تكون العضو المجبر لا المريد، والعنصر المأمور لا العنصر الآمر. وإن تكريم المرأة في هذا المجتمع إنما هو تكريم شفقة بها وليس تكريم لفعالية نابعة منها”.

“يقول المثل العامي: (شاوروهن واعصوهن)، ولعل هذا المثل معبر عن سرور المرأة بالمشاورة؛ لأنها تعتبرها تكريمًا لها، ولكنها لا تعلم مقدمًا أنها ليست ذات فعالية تفرض رأيها عند التشاور، لأنها لو حاولت فرض رأيها فإن الرجل سرعان ما يعصف برأيها إذا لم يصادف ذلك الرأي هوًى في نفسه، فتقف هي أمام الرجل موقف الضعيف المستخذي”.

“وبما أن المرأة اليمنية المعاصرة لا تملك القدرة المالية ولا البدنية ولا الفكرية ولا الدستورية ولم تطاوعها ظروفها الموضوعية والذاتية على تنظيم نفسها تنظيمًا سياسيًّا ضاغطًا، لذلك فهي لا تقوى على التمسك برأيها أمام الرجل، فقد قال عنها المثل العامي: (الناقة ناقة ولو هدرت)”.

“وتدل الأمثال العامية على أن المرأة تتمسك تلقائيًّا بتبعيتها للرجل ومن تلك الأمثال قولهم على لسانها: (الزوج الأعور ولا الترمُّل)، لأن المرأة فيما تدل عليه هذه الأمقال يلذ لها السير دائمًا في ظل الرجل وتحت رعايته وحمايته. ويقول المثل العامي على لسانها: (الحياة معك ولو تحت حافور حمار)”.

“إن دور المرأة المتخلف في المجتمع اليمني المعاصر -وإني لأخاله كذلك حتى في المجتمع الصناعي المتطور في معظم حالاته- ينبع أصلاً من ضعفها الفسيولوجي الذي جعل الذود عنها من واجبات الرجل، ولذا قيل: (عاد وراء الضانة كبيش). وهي هنا قد تركت للرجل واجب حماية الحمى لأنه مهيىء بحكم تكوينه البدني للقيام بالدفاع عن الأسرة وبالتالي عن كيان المجتمع الأساسي بكامله، وهنا يقول المثل العامي: (مات من ذريته بنات). وقال مثل آخر (صُن صرمك بهدَّار ما هو بمن لبنها مدرار)”.

“وبما أن المرأة تسعد بانصهارها في سرة زوجها ويلذ لها ذلك الانصهار حتى مع ضنك العيش وضيقه، وخاصة إذا كان لها أبناء وبنات من زوجها، فإنها عادة تنفر من أن تظل قابعة في خباء بيتها حتى ولو وفر لها ذلك الخباء كل راحة وجاه، ولذلك قال المثل العامي على لسانها: (نارك ولا جنة أهلي)”.

“إن التعسف الاجتماعي الذي تتحمله المرأة في المجتمع اليمني وما شابهه من من المجتمعات المتخلفة، مرده في معظم حالاته إلى طبيعة المرأة، ولذلك ظلت المرأة عبر العصور معتمدة على الرجل في ما تفتقر إليه من حماية ورعاية. بيد أن ما نالته المرأة في الأقطار المتقدمة من ثقافة عالية وما شاركت به من جهد في المجالات العامة والخاصة، خارج نطاق العمل المنزلي التقليدي، وما أصابته من حرية وتنظيمات سياسة واستقلال اقتصادي وحماية دستورية، قد أبرز ما تتحلَّى به من المرأة ذاتيًّا من قوة شكيمة وجرأة في الأقوال والأفعال، الأمر الذي مكنها من فرض شخصيتها على من حولها واحترامها في مجتمعها وتسليمها أعلى المراتب في الحكومات والمؤسسات الجماهيرية والخدمات الاجتماعية في العلوم والفنون والأداب وغيرها”.

كانت هذه نظرة بانورامية لصورة المرأة في الأمثال العامية المتداولة في حضرموت، وهي -مع الأسف- تغرس أنساقًا ثقافيةً تعزز النظرة الدونية للمرأة بوصفها في منزلة أقل من الرجل، دون مراعاة لما ينبغي أن تقوم به من خدمة للمجتمع بوصفها نصفه الآخر المكمل للرجل، وإنها لمأساة كُبرى!

 

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية