مواد غرفة أخبار الجندر

اللجان المجتمعية النسوية |اليمن
23
أبريل

الإدماج المجدي للنساء .. الوساطة النسائية في اللجان المجتمعية

 عمار بن جوهر

سيطر تنظيم القاعدة على مدينة المكلا حاضرة محافظة حضرموت في عام 2015م بعد انسحاب القوات الحكومية منها، وعاشت المدينة تحت حكم التنظيم قرابة عام، ظهرت فيه أشكال مختلفة من الانتهاكات على النظم المجتمعية، وإقصاء وتهميش ممنهج في الفرص والموارد على النساء على مستوى النطاقات الاجتماعية داخل الأحياء والمؤسسات المدنية، ولم تجد النساء في تلك الفترة سوى التمييز الجندري. تحررت المدينة في عام 2016م، وحينها بدأ نهج جديد بتشكيل اللجان المجتمعية التي شاركت النساء فيها، وتسعى إجمالا إلى مساعدة الجهات الرسمية ذات العلاقة في حل وتحويل النزاعات الاجتماعية وبناء السلام.   هكذا بدأت: في سنة من لحظة خروج تنظيم القاعدة من المكلا، بدأ العمل في اللجان المجتمعية عبر الانتخابات في المدينة؛ إذ قُسّمت إلى ثلاثة قطاعات ومحاور بين شرق وغرب ووسط المدينة بمجموع (44) حيّا: (12) حيّا في شرق المكلا، (15) حيّا غرب المكلا، ووصلت الأحياء في وسط المكلا إلى (17) حيّا، جُمعت كلها في (230 وحدة تنظيمية) داخل هذه الأحياء، وتضم في عضوية كل لجنة حيّ على الأقل 7 أعضاء منهم امرأتان، وبالطريقة نفسها داخل وحدات الأحياء، بالإضافة إلى اللجنة الرئيسية التي بها لجنة نسائية خاصة؛ إذ بلغ التمثيل النسائي إلى لحظة كتابة هذه المادة في (23) حيّا من أصل (44) حيّا التي تمثل قوام اللجان المجتمعية في المكلا، وهي تحوي لجانا نسائية مستقلة بالتوازي مع اللجان التي يعمل بها الرجال حسب الإحصاءات الرسمية من مكتب اللجان المجتمعية. ويُعدّ هذا تقدّما ملحوظا في سبيل إدماج أكبر للنساء داخل هذه التشكيلات الشعبية، على الرغم من طبيعة المجتمع الرافضة لقبول المرأة شريكا فاعلا في حلّ النزاعات والمشكلات الاجتماعية.

وقد أفاد نائب رئيس اللجان المجتمعية في مديرية مدينة المكلا حسين العكبري أنه في الشهرين القادمين ستعمل اللجنة الرئيسة على استكمال إضافة التمثيل الجندري للنساء بالتوازي في بقية الأحياء، وأن هذا يُعدّ ضرورة أساسية لمبادئ صناعة السلام والعدالة والدور الفاعل للوساطة النسائية تحديدا في حل النزاعات المجتمعية الأسرية والقضايا الأمنية.

 

المجتمع والنساء الوسيطات: تغلُبُ على المجتمع في اليمن النزعة المحافظة المؤسّسة على العادات والتقاليد المتوارثة والوازع الديني، مما يجعل الصعوبة تزيد في إدماج حقيقي ومجدٍ للنساء في الفرص والموارد بشكل فاعل، فيُعدّ إدخال المرأة على خط الوساطة في حل وتحويل النزاعات ضربا من مؤامرات تُحاك لتجريف الهوية، وظاهرة دخيلة على المجتمع وعاداته ونظامه، ولم يتفكر الغالبية من النقاد للوساطة النسائية وتمكينها في الدور الجوهري الذي تؤدّيه النساء من بناة السلام في الدخول إلى تفاصيل دقيقة من النزاعات، وخصوصا المجتمعية منها، فبينما كان الرجال يركزون على قضايا النزاع الكبيرة والمتجذرة، دأبت صانعات السلام من النساء على معالجة قضايا نزاعات اجتماعية متأصّلة بأساليب مبتكرة ذات نجاعة، ووضعنَ حدّا لتفاقم تلك المشكلات لزيادة فرص عدم تجدّدها وضمان شكل يؤدي إلى ترسيخ السلم واستدامته.    احتياج متفاوت: تُعدّ اليمن من أكثر بلدان العالم ارتباطا بالقبيلة، وأغلب النزاعات كانت تحلّ بالتحكيم القبلي الذي يكون بسلطة شيخ القبيلة، حتى إن القانون اليمني يُعدّ التحكيم القبلي حكما قضائيا ابتدائيا ونافذا يعتمد عليه في القضاء. هنا كانت الحاجة إلى عهد جديد في تنظيم أحوال الناس وحلّ نزاعاتهم الاجتماعية بمشاركة شعبية أوسع، وتجاوز فكرة عُقّال الحارات التي خفت ضوؤها ولم تعد مؤثرة، ومن هذا المنطلق يُشرك شريحة واسعة من ذوي العقل والحكمة من الرجال والنساء داخل عمل مؤسسي تحت مسمّى اللجان المجتمعية، ليكون سندا للأجهزة الأمنية لحفظ السلم الأهلي والعيش المشترك. تحدث خبير حل وتحويل النزاعات وبناء السلام محمد الكثيري رئيس مؤسسة “سلام وبناء”، فذكر أنه يجب التركيز على أهمية الاحتياج لوجود النساء داخل اللجان المجتمعية، وأن يكون وجودهن يفرضه واقع المشكلات، وأن لا يكون جودهن للتمثيل الجندري والمحاصصة، فوجود وتنامي النزاعات التي يكون أطرافها من النساء جعل الحاجة ملحة لإشراكهن في اللجان داخل الأحياء، وأثبتت التجربة أن الاختيار كان موفقا في بناء سلام يمارسن الوساطة بشكلها الصائب، وأنهن وصلن إلى نتائج ملموسة، وهذا جعل القاعدة والهياكل داخل الأحياء تكون فيها وسيطات سلام.

تجربة واقعية ناجحة:

وفاء بن عفيف سيدة من مدينة المكلا انخرطت في مجال حلّ النزاعات عبر اللجان المجتمعية تحكي تجربتها قائلة: “العمل الذي قامت به اللجان المجتمعية في مدينة المكلا منذ عام 2016م عمل كبير، وقد حظي بقبول واسع من المواطنين، تحديدا بعد تشكيل اللجان التي أسهمت إيجابا في حل النزاعات والمشكلات بالأحياء السكنية”، وتذكر أن تجربتها بدأت في العمل التطوعي، وتطوّرت حتى وصلت إلى مستوى تأهيل أعلى عبر المؤسسات التي أشرفت على رفع قدراتهن ومساندتهن مثل مؤسسة “إنقاذ” بتمويل منظمة “شركاء اليمن”، إضافة إلى الدور الفاعل الذي من مؤسسة “الأمل” ومؤسسة “سلام وبناء”. أردفت السيدة بن عفيف أن التجربة لم تكن سهلة؛ فقد واجهت مصاعب ومخاوف من الرفض الاجتماعي الذي يرى أن هذا العمل مقتصر على الوسطاء من الرجال، ولكن كان لديها شغف الانخراط في حل النزاعات وصناعة وبناء السلام وتقريب وجهات النظر، وأنها ومجموعة من الفتيات، بالإصرار، وصلن إلى مبتغاهن في أن يكون لهن دور فاعل في التعايش المشترك والسلم الأهلي الاجتماعي. وقد أبدت فخرها وسعادتها بأن عملهن في اللجان المجتمعية انعكس إيجابا على تعميم السكنية في حياة المواطنين؛ إذ أصبحن عونا للأجهزة الأمنية لحفظ استقرار المدينة، كما أنهن يسعين كذلك لإيجاد تمويل للنساء ليبدأن مشاريع صغيرة تحفظ لهن العيش الكريم ويمكنهن اقتصاديا.

ولنا رأي:

الحرص يكمن دوما في تهيئة الظروف المواتية لإرساء السلام بشكل دائم، وهذا قد لا يتأتى بممارسة طرق تقليدية مقتصرة على الرجال؛ إذ إن تحويل النزاع وحلّه هو نهج شامل وعمليات مستمرة، ويتناول مجموعة من الأبعاد، والمؤكد أن إشراك النساء من صانعات السلام هو أحدها، ولتحقيق نتائج فاعلة، يجب تظافر جهود جهات رئيسة متنوعة في تركيبتها وأهدافها وآليات عملها، لتضم هذه الفواعل المؤسسات الشعبية والرسمية والدولية ومنظمات المجتمع المدني، فنجاح إشراك النساء في الوساطة مرهون بمدى توفر الشروط الضرورية، وأهمها إحداث تغيير في ذهنيات النخبة والقاعدة الشعبية.

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية