بالريشة والقلم | يمنيات يناصرن السلام في المخيمات الإبداعية
بالريشة والقلم: يمنيات يناصرن السلام في المخيمات الإبداعية
في زمنٍ يتسم بالتحديات والمشاق التي تمر بها النساء في اليمن، تبقى الفرص الإبداعية بمثابة أملٍ يضيء الطريق نحو التغيير. إحدى هذه الفرص كانت مخيم “ريشة وقلم”، الذي نظمته مؤسسة حضرموت للثقافة في مدينة المكلا في العام المنصرم 2024م، حيث اجتمع فيه 20 شاعرًا وفنانًا تشكيليًّا، من بينهم 12 فتاة من مختلف المدن اليمنية لتعبّر كل واحدة منهن عن نفسها من خلال الشعر والفن التشكيلي. كان هذا المخيم خطوة كبيرة نحو تمكين المرأة اليمنية في مجالات الثقافة والفنون، وتقديم منصة تتيح لهنّ استكشاف قدراتهنّ بعيدًا عن القيود الاجتماعية والظروف الصعبة التي يواجهنها.
الفن والشعر كأداة للتعبير والتحرر
الشعر والفن لا يُعتبران مجرد وسائل للإبداع، بل هما أيضًا طرق للتعبير عن الأحاسيس العميقة والصراعات الداخلية التي قد تواجهها النساء في المجتمعات التقليدية. دعاء الأهدل، الشاعرة من مدينة لحج، كانت واحدة من المشاركات في هذا المخيم. تروي دعاء تجربتها قائلة: “الشعر بالنسبة لي ليس مجرد كلمات، بل هو وسيلة للتعبير عن آلامنا وأحلامنا. في هذا المخيم، كنتُ قادرة على أن أكتب وأقرأ أمام جمهور لم أكن أعرفه، لكنني شعرت بتقبلهم وتشجيعهم. هذه اللحظات من الحرية كانت مغرية، خاصة في ظل الظروف التي نعيشها في المجتمع اليمني.”
دعاء، التي عادةً ما كانت تجد صعوبة في التعبير عن مشاعرها في مجتمعاتها المحلية، أدركت من خلال هذا المخيم أن الفن يمكن أن يكون بمثابة جسر للتواصل بين الأفراد والمجتمعات. من خلال كلماتها، قامت بفتح نافذة على واقع المرأة اليمنية، عبرت فيها عن معاناتها وتطلعاتها، وأكدت على حق المرأة في التعبير عن نفسها.
على الجانب الآخر، تأتي ابتهال القباطي، الفنانة التشكيلية من مدينة عدن، التي شاركت في المخيم أيضًا، وتشاركت العمل الإبداعي المشترك (رحيل) مع الشاعرة دعاء الأهدل، تقول: “عندما بدأت الرسم في صغري، كنت أشعر أنني أعبّر عن شيء أكبر مني. ولكن في المخيم، شعرت أنني أستطيع أن أقول للعالم كله: نحن هنا، نحن نرسم ونكتب ونحلم. كانت لوحاتي ملاذًا آمنًا لي للتعبير عن معاناتي وآمالي. كانت المكلا، هذه المدينة الساحلية الجميلة، مكانًا مثاليًا لابتكار أعمال فنية تعكس ما يجري في قلبي.”
قصص ملهمة من مختلف المناطق
مخيم “ريشة وقلم” لم يكن مجرد تجمّع فني، بل كان فرصة للتعرف على قصص ملهمة لنساء شجاعات ينتمين إلى مناطق يمنية مختلفة. لم يكن هدف المخيم فقط تعليم الفن والشعر، بل أيضًا تمكين الفتيات من الاندماج مع الشعراء والفنانين التشكيلين لإنتاج أعمال إبداعية مشتركة.
فاطمة العمودي، طبية وشاعرة، من مدينة المكلا، وهي إحدى المشاركات في المخيم، تتحدث عن تجربتها في هذا السياق: “كنتُ دائمًا أشعر بأن كتابة الشعر تمنحنا فرصةً للتحليق في فضاءات الجمال، ولكن عندما شاركت في المخيم، شعرت أن ثمة مصادر يمكن أن نقتبس منها فكرة القصيدة، ومن بينها اللوحات الفنية، فقد كان المخيم بمثابة لحظة تمكين لي ولزميلاتي. تعلمنا من بعضنا البعض كيف نواجه التحديات التي نعيشها في مجتمعاتنا، وكيف نعبر عن أنفسنا بحرية. كل لوحة رسمناها وكل كلمة كتبناها كانت بمثابة شهادة على قوتنا وحريتنا.”
أما سلوى الباركي، فنانة تشكيلية من محافظة صنعاء، تشاركت مع الشاعرة فاطمة العمودي العمل الفني المشترك (تقشُّر) فتقول: فقد وجدت في مخيم “ريشة وقلم” فرصة لاكتشاف إمكانياتها في الشعر والكتابة. وتضيف: “كنتُ لا أصدق أنني قادرة على أن أكون جزءًا من هذا الحدث المهم. لكن عندما نظرت إلى لوحتي لأول مرة أمام الحضور، شعرت بأنني امتلكت شيئًا لا يُمكن أن يُأخذ مني: أفكاري.”
منصة لإطلاق الإبداع النسائي
ما يميز هذا المخيم هو أنه لم يكن مجرد ورش تعليمية أو جلسات فنية، بل كان بمثابة منصة لإطلاق الإبداع المشترك بين النساء والرجال في مجالات الشعر والفن التشكيلي، وهي مجالات لا تزال تواجه تحديات وصعوبات في المجتمع اليمني. في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها اليمن، يعتبر هذا المخيم خطوة هامة نحو تمكين المرأة في مجالات الثقافة والفنون، وتعزيز مكانتها كفاعل رئيسي في بناء المجتمع.
من خلال الأنشطة المتنوعة التي تم تنظيمها خلال المخيم، مثل ورش الكتابة والرسم، وتبادل الخبرات بين المشاركات، تم تحفيز الفتيات على التفكير بشكل مختلف حول إمكانياتهن وتطوير مهاراتهن. بالإضافة إلى ذلك، تم تنظيم محاضرات ثقافية كانت تهدف إلى زيادة الوعي حول أهمية الفن والثقافة في المجتمعات المحلية.
الطريق إلى المزيد من التغيير
إن مخيم “ريشة وقلم” يمثل نموذجًا للعديد من المبادرات التي تهدف إلى تمكين النساء في مختلف أنحاء اليمن. لا يقتصر دوره على تقديم فرص لتطوير المهارات الفنية، بل هو بمثابة محفز لتمكين المرأة في مجتمع لا يزال بحاجة إلى الكثير من العمل لتحسين وضع المرأة وتعزيز مكانتها في المجتمع.
مع استمرار مثل هذه المبادرات، يمكن للمرأة اليمنية أن تواصل التعبير عن نفسها والقيام بدورٍ أكبر في تشكيل الثقافة والفن في اليمن. إن المستقبل الإبداعي للفتيات اليمنيات، كما أظهرت هذه التجربة، مليء بالفرص والطموحات، ويحتاج إلى دعم أكبر من المجتمع والشركاء المحليين والدوليين. الطريق إلى التغيير يبدأ من تعزيز هذه المبادرات، وفتح أبواب الإبداع لكل فتاة تسعى إلى التغيير في عالمها.