مواد غرفة أخبار الجندر

08
سبتمبر

المرأة اليمنية دراميًا .. معركة المجتمع المحافظ والوجه المستعار

 طارق الظليمي

أخذت الصُدفةُ الشابة اليمنية المثيرة للإعجاب “أشواق علي” بعد عامين من دخولها المجال الدرامي إلى الشهرة وهي لا تزال في مراحل دراستها الجامعية، وذلك عندما لفتت الأنظار إليها في مسلسل “ربيع المخا”، لتحيي بذلك حلمها المنتظر منذ نعومة أظافرها، لكن هذا الإبداع يقيّده المجتمع التقليدي الذي ينظر للمرأة بدونية ونقصان.
تقول أشواق (22 عاما)، وهي طالبة في كلية الإعلام جامعة صنعاء، إنها صادفت إحدى زميلاتها وهي تبحث عن وجه جديد للعمل في مسلسل حضرمي، وقد باشرتها بالقول: “لك حسّ تمثيلي ومناسبة جدا؛ لأن وجهك كاريزمي وحضورك قوي”.

تحقيق حلمها
تضيف أشواق أنها وافقت فورا على العمل الدرامي الأول الذي لاقى في البداية اعتراضا من العائلة، ولكن بفعل شغفها وإصرارها، تحوّلت الأسرة إلى داعمة رئيسية لها، وتؤكّد أشواق أنها لا تضيّع أي بصيص أمل يمكن يوصلها إلى تحقيق حلمها في التمثيل الذي مات منذ طفولتها نتيجة لوضع الحرب باليمن، مؤكّدة أن الممثلة أو الممثل اليمني يحتاج إلى دعم وكادر خاص، والبلد لا تهتم بهذا المجال.

تشير أشواق إلى أن العمل الدرامي يمثل شغفها وطموحا لا نهاية له، رغم النقد الذي حصلت عليه من المجتمع باعتباره عيبا، ولا مستقبل له، وتشدّد في الوقت نفسه على وجود أشخاص واعيين ومتفهمين في الشارع اليمني يحفظون حوارات الممثل ويقدّمون كل التشجيع.
واشتهرت الموهوبة هديل مانع بفيديوهات نشرتها عبر برنامج “التيك توك” تقلّد فيها شخصيات معروفة، وذلك قبل اختيارها للتمثيل في مسلسل “ربيع المخا” لأول مرة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الظهور على مواقع التواصل الاجتماعي.

نجاح وتنمّر
تقول هديل إنها اكتشفت موهبتها مؤخرا، فقد شعرت بالذهول عندما شاهدت حركاتها تصعب على الآخرين، معتبرة التمثيل هو الحياة الواقعية التي تعيشها، على الرغم من مواجهاتها تنمرا بسبب نجاحها الكبير في المسلسل واستمرارها الدائم على مواقع التواصل الاجتماعي. وتضيف أن هدفها الحالي الحفاظ على المستوى الذي وصلت إليه والتنوع، مشيرة إلى احتياجها للدعم والأدوار الواقعية الخالية من تكلف.

وقرّرت الفنانة اليمنية ذائعة الصيت منى الأصبحي قبل نحو عامين العودة إلى مجال التمثيل بعد اختفائها لقرابة عشر سنوات عن الدراما، فقد وجدت إقبالا كبيرا للفتيات الموهوبات والطموحات للعمل في فن لا يزال يضع الممثلة في أدوار هامشية.
تقول “الأصبحي” إنها اكتشفت موهبتها في التمثيل أيضا بالصدفة، وذلك عندما كانت برفقة شقيقتها الممثلة الشهيرة سحر في مسرح تصوير مسلسل “الوصية” عام 2004، مؤكدة أن الفارق الوحيد الذي لحظته هو تزايد عدد الفتيات في المجال الفني عموما، بعكس ما كان عليه سابقا نتيجة تخوّف الأسر من المجتمع المحافظ على عاداته وتقاليده.

وتشير إلى أنه لا يزال 60% من المجتمع رافضا لهذا الفن على الإطلاق، وقد واجهت في بداية عملها الدرامي صعوبة عدم تقبّل بعض الأفراد فكرة تمثيلها، الأمر الذي أثّر سلبا عليها، وعرّضها للعُنف اللفظي في أثناء مشاركتها في تصوير مسلسل بمنطقة سُمارة بمحافظة إب قبل سنوات.

الدراما حياة وعشق
وتنصح الفنانة الشهيرة الممثلات الجدد بالانضباط وبمعرفة معايير التمثيل حتى يصلن إلى المعيار العربي في تطوير الذات، على أن يكون دخولهن المجال شغفا به لا حبا في المادة، وبالابتعاد عن الغرور.
وتعتبر “الأصبحي” العمل الدرامي حياة تعشقها، وبمجرد قرآتها للقصة وتخيّل الشخصية وربطها بالأحداث، تشعر بوجودها في وسط الحدث، مرجّحة أن سبب تأخر تطوّر المرأة في التمثيل يعود إلى عدم وجود أكاديمية متخصّصة ووعي اجتماعي لأهمية دور المرأة في الدراما.

إحصاءات
بثّت ثماني قنوات يمنية محلية 11 مسلسلا تلفزيونيا في العام الجاري بمشاركة نحو 342 شخصية رئيسية، منها 109 امرأة، بينهن 11 فتاة شاركن في العمل لأول مرّة، وأربع مشاركات عربيات: ثلاث من سوريا وواحدة من الأردن.
وشاركت 17 ممثلة في أكثر من دور بالمسلسلات المشمولة بعملية رصد معدّ التقرير، فضلا عن أربع ممثلات شهيرات شاركن مرة واحدة فقط في الدراما، وقد حصد مسلسل “طريق المدينة” أعلى نسبة مشاركة للنساء بواقع 21 امرأة.

 

وحضرت 7 نساء ممثلات ضيوفَ شرف في مسلسل “تكتيك” الذي طغى عليه الذكور في الأدوار الرئيسة، فيما حقق مسلسل “ربيع المخا” حضورا أكثر للممثلات العاملات حديثا في المجال، بواقع خمس فتيات من أصل 11 امرأة شاركن بالمسلسل.

صعوبات وسلبيات
تواجه المرأة العاملة في مجال التمثيل صعوبات كثيرة مِن بينها النظرة الدونية من المجتمع الذي لا يحترم الممثل أو الممثلة بشكل عام وعرقلة الأسرة لها، وبداياتها في الدخول للوسط الفني الذي يحتاج إلى وسيط، ناهيك عن إمكانية تعرّضها للانفصال إذا كانت متزوّجة، فيما لا يمكنها الارتباط بشخص وهي تعمل في التمثيل، بحسب الناقدة السينمائية اليمنية هدى جعفر.
وتقول “جعفر” إن جميع المسلسلات اليمنية يوجد فيها نساء، لكنها تقدّم أدوارا هامشية ومكررة غير مكتوبة بشكل جيد، مشيرة إلى أن المسلسلات ليست مجالا خصبا لإظهار المواهب، وتعددية الأدوار والشخصيات التي تقدم ليست ثرية وعميقة، وهذا ينطبق على الرجال والنساء.

وتضيف: “هناك أدوار كثيرة لم تقدمها المرأة الممثلة والممثل، بسبب أن الأعمال اليمنية محدودة جدا من جهة المواضيع التي تُتناول لخدمة صورة معينة، ويعود ذلك إلى أن النص والحوار لا يكتب شخصيات عميقة للرجال والنساء على حدّ سواء، وتعتبر السيناريو فقيرا دراميا وفنيا، وهو ما يؤثر على أدوار النساء.
وتشير إلى أن كتاب السيناريو في اليمن يأخذون بفكرة واحدة بأنه يعالج قضية، وهذا الكلام غير صحيح، وإنما للفن أوجه وغايات كثيرة، منها ما يحلّ القضايا، لذلك لا تزال اليمن في مرحلة مبكرة عند الحديث عن الفنون.

وتُعدّ أبرز سلبيات المرأة اليمنية الممثلة عملها في هذا المجال بالحجاب بالإضافة إلى محدودية الأدوار وعدم وجود عُمق في رسم الشخصية النسائية أو الرجالية، وهي محجّبة وليس فيها ثراء وواقعية، لكن الانتقادات في وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت بشكل جيد في تحسين طريقة التمثيل والملابس والإضاءة والمكياج والتصوير، وفق الناقدة السينمائية.
وتضع جعفر خطّة طويلة ومتشعبة وشاملة وسليمة لتطوير الفنون، على أن تتبناها الحكومة في جميع مراحلها لكسر هذه الثقافات، وليرى المجتمع المجالات بشكل محترم، فضلا عن ضرورة وجود نقابة فنية للممثلات تنظر في أمورهن ووضعهن وتُسمع أصواتهن، وتعمل على حماية النساء اللاتي يرغبن في التمثيل من التكفير وحملات القذف والتشهير والإساءة التي يتعرضن لها.

مشاهد مبتورة
تقول الباحثة الاجتماعية مروى العريقي إن هناك موروثا اجتماعيا سلبيا تجاه المرأة، لأن اليمنيين لا يجدون المرأة العاملة إلا معلمة وطبيبة، وأي وظيفة أخرى تندرج تحت مسمى العيب، مؤكّدة في السياق أن التمثيل أكثر انفتاحا بحكم ما يفرضه واقع هذا الفن، حتى يُوصل رسالته الهادفة سواء أكانت توعوية أم ترفيهية أم خيالا.

وتضيف أنه في بداية ظهور الدراما على الشاشة اليمنية، كانت المرأة مشاركة بشكل طبيعي، مثل لطيفة الكوكباني في أول مسلسل يمني “الوجه المستعار” عام 1976، لكن مع التغيرات السياسية المعادية للمرأة، تقلّصت مساحة حضور المرأة في مختلف المجالات.

وتؤكّد العريقي على وجود مشاهد درامية لم تأخذ حقّها فنيا، آخرها كان مشهد عودة الأخ المفقود منذ 17عاما ولقائه بأختيه، في مسلسل ربيع المخا، مشيرة إلى أنه من الأفضل كان اقتصاره على النظرات والدموع حتى ينال استحسان الجمهور الذي لم يستطع الفصل بين شخصيات المسلسل “الإخوة” والحقيقية التي لا تربطهما فيه صلة قرابة، وتعتبر هذا المشهد مبتورا وأنه كان يجب استبداله بشريط ذكرياتهم حين كان الأخ صغيرا.

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية