مواد غرفة أخبار الجندر

21
ديسمبر

في مجتمع ينظر للمرأة نظرة قاصرة علا نموذجًا للفتاة اليمنية القادرة على النجاح والتغيير

 عاصم الخضمي

“أكثر شيء ساعدني وميّزني دائمًا عن باقي زملائي الذين يشتغلون في المجال نفسه -في ما أظن- أن أهم شيء بالنسبة لي إنجاز المهام بالشكل الصحيح؛ سواء أكانت من مسؤوليتي أم لم تكن، وذلك مادمتُ قادرة على عمل هذا الشيء”. بهذه الكلمات اختزلت الباحثة والناشطة الشبابية عُلا السقّاف، قصة نجاحها.
بدأت الشابة العشرينية العمل في المجتمع المدني عام 2010، وهي في عمر 16 عامًا، بمدينة تعز (جنوب غرب اليمن)، وذلك بتنفيذ أنشطة مجتمعية ضمن دراستها في برنامج access program الذي يركّز على تعليم اليافعين اللغة الإنجليزية، ويقدّم دورات في القيادة الشبابية المختلفة، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، وبتنفيذ معهد “إمديست”.
تُعدّ عُلا واحدة من أبرز الفتيات اليمنيات الناشطات في المجتمع المدني، وقد شاركت في عدة فعاليات ومؤتمرات على المستوى المحلّي والإقليمي والدولي، في مجتمع ينظر للمرأة بنظرة قاصرة، إلا أن أسرتها كانت الداعم الأول والأساسي لتميزها.

مؤتمر نوبل للسلام
أسّست مبادرتها الشبابية الأولى عام 2012، وفي العام نفسه حصلت على فرصة للمشاركة في تمثيل الشباب اليمني في مؤتمر جوائز نوبل للسلام الذي أُقيم في شيكاغو في الولايات المتحدة، وجمعَ الفائزين بجوائز نوبل للسلام مع شباب ويافعين ممثلين للشباب من الدول التي حصلت على جوائز نوبل للسلام، وكانت مشاركتها بعد حصول الناشطة توكّل كرمان على الجائزة. في المؤتمر استطاعت اكتساب كثير من القدرات، وقابلت كثيرًا من الشخصيات الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، منهم وزراء وسفراء ورؤساء سابقون لدول مختلفة.

اندلاع الحرب
عقب مشاركتها في مؤتمر نوبل، عادت مُجدّدًا للعمل المجتمعي في مبادرة بدأت في الجامعة، وأثناء دراستها في تخصّص آداب إنجليزي، اندلعت الحرب في مدينة تعز، ونزحت مع أسرتها إلى خارج المدينة، وانقطعت عن دراستها الجامعية.
عادت مجدّدًا إلى مدينة تعز، وكان للحرب والنزوح مراراتها، فقد غيّر ذلك كثيرًا من أفكارها والخطوط التي رسمتها لنفسها، ومثّل ذلك أيضًا نقطة تحوّل في حياتها ودافعًا لها للاستمرار في مزيد من النجاح والعمل والتفوق وإكمال دراسة الجامعة، لتتخرج عام 2017 حاصدة الترتيب الأول على دفعتها.
“بسبب الحرب واجهتني صعوبة الحصول على منحة دراسية، فأنا الأولى على دفعتي في الجامعة، وأول طموح لي هو دراسة الماجستير، لأن الجانب العلمي مهم ولا بد منه” تُضيف عُلا.

طريق جديد
بعد الجامعة اتجهت إلى مجال العمل مع المنظمات، خصوصًا مع الوضع الإنساني السيّئ في اليمن، ولأنها مؤمنة بدور الشباب وطاقاتهم، اتجهت للعمل مع منظمة “شباب بلا حدود” منسقةً للبرامج وقائمة بأعمال المدير التنفيذي، وبعد ذلك رُقيّت إلى مدير برامج المنظمة، ورُشحت أن تكون متحدثةً عن الشباب في مؤتمر إقليمي أُقيم في الأردن عام 2019.
عملُها مع المنظمة أكسبها كثيرًا من العلاقات والخبرات، وبدأت الاهتمام بمجال الشباب بشكل مركّز، وهذا ما خلقَ لها فرصة لتقديم إحاطة لمجلس الأمن في أبريل عام 2020، عن أجندة الشباب والسلام والأمن، كأصغر فتاة يمنية تقدم إحاطة لمجلس الأمن.

 

 

بعد ذلك توالت مشاركاتها في مؤتمرات دولية وإقليمية واسعة متحدثةً عن أجندة الشباب، وعن التجربة اليمنية ومعاناة الشباب اليمني، وفي نقلِ أصوات الشباب اليمني بمن فيهم الفتيات، بالإضافة إلى مشاركتها في مؤتمرات في بعض الدول المختلفة، وغالبًا كانت على النت (أونلاين) بسبب فيروس كوفيد 19.
قدّمت إحاطة أخرى لمجلس الأمن في جلسة مُغلقة عن أجندة النساء والسلام والأمن، وفي كل جلسة، حاولت نقل معاناة الشباب اليمني وأصواتهم ونقل التجارب التي يمرّون بها
شاركت في كثير من الجلسات الاستشارية لعدّة جهات وسفارات ولمكتب المبعوث الأممي لليمن، وغالبًا ما كانت فيها ممثلة للشباب اليمني، وقدّمت توصيات لتعزيز دور الشباب، واشتغلت على إدارة كثير من البرامج في مختلف المحافظات اليمنية، وتركزت هذه البرامج في بناء السلام ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، بالإضافة لكثير من حملات المناصرة.

شبكات شبابية

تنخرط عُلا في عدة شبكات شبابية، منها التوافق الشبابي للسلام والأمن، والفريق الشبابي لدعم الوساطة، والائتلاف الإقليمي للقرار الأممي 2250، وشاركت في برنامج أو زمالة “بيس فيرست” الذي يختار مجموعة من القادة من كل الدول العربية، من أجل تمثيلهم في شبكة واحدة، وتمثل عُلا فيها اليمن، بالإضافة لشبكات أخرى.
في 2020 انضمت إلى الفريق الشبابي لدعم الوساطة، وهذا الفريق يعمل على دعم الوسطاء المحليين، وبدأت العمل بجانب الوسطاء المحليين في ملفات الوساطات في تعز، وعملت بشكل مركّز في ملف الأسرى والمعتقلين، وكان دورها أرشفة عمل الوسطاء وحضور الاجتماعات معهم. بالإضافة إلى البحث عن مصير المخفيين قسريًا، وتشكيل مبادرات لدعم الوسطاء، وغالبًا ما تركزت هذه الجهود في ملفات محدّدة: ملف الأسرى والمعتقلين، ملف الجثث، فتح المعابر، الملفات الخدمية، لكنها مركزة بشكل أكبر على ملف الأسرى والمعتقلين، وحاليًا بدأت التركيز على ملف المياه وملف فتح المعابر.

إعداد دراسات

لا يقف نجاح عُلا عند هذا المستوى، بل قامت بإعداد الدراسات أيضًا، وأول دراسة أعدّتها كانت عن تأثير الأجندة العالمية والقرار 2250 على أجهزة الشباب والسلام والأمن في اليمن لصالح شبكة UNOY، بعد ذلك اشتغلت على دراسة لصالح مؤسسة “شباب سبأ” عن غرفة التنسيق ما بين المنظمات في تعز، وهي عبارة عن ورقة سياسات.

 

 

واشتغلت على دراسة عن حالة عن النازحين في اليمن كانت تابعة للتوافق الشبابي، وحاليًا تشتغل مساعدةً في تقرير عن جهود الوساطة المحلية في تعز، وتشتغل أيضًا على ورقة سياسات أخرى تدلّ على ضعف مخرجات التعليم.
في 2021 بدأت التوجّه إلى الجانب البحثي، فاشتغلت على عدة أوراق سياسات، ناقشت كثيرًا من مشاكل الشباب، واشتغلت أيضًا على تقرير تابع للاتحاد الأوروبي في كيفية تقوية دور الشباب وتعزيز دور الشباب في بناء السلام.
وبدأت تشتغل أيضًا في مجال التدريب في أوراق السياسات وبناء السلام وإدارة المشاريع، وهذا ما دفعها إلى ترك عملها مديرةً للبرامج في منظمة “شباب بلا حدود”، للتفرغ للمجالات الأخرى التي بدأت العمل فيها.

التحديات

كان أول تحدٍّ لها بوصفها شابة، التخبط! لم يكن لديها توجّه معين، فقد عملت في عدة مجالات مختلفة، وكان التحدي الثاني الحرب والأمل المفقود الذي جعلها تعمل من دون أن يكون عندها وعند الشباب رؤية للمستقبل بشكل واضح، بحسب تعبيرها.
ومن التحديات أيضًا نظرة المجتمع إلى كونها فتاة تتنقل ما بين المحافظات للعمل، وتسافر بشكل متكرر، بل تسافر إلى الخارج أيضًا. غالبًا ما ينظر المجتمع إلى فتاة بذلك الوضع نظرة قاصرة، وإن كانت تُعدّ مثالًا ناجحًا.

أمنيات

تتمنى علا أن يصبح الشباب أكثر وعيًا، وأن يتوقّف استخدامهم من بعض الجهات وقودًا للحرب، فهم أداة للسلام، وتتمنى أن يجد الشباب طريقًا لأنفسهم؛ طريقًا لا يتّبعون فيه أي طرف من الأطراف، ليكونوا قادرين على بناء مستقبلهم بعيدًا عن تدمير أنفسهم في سبيل مصالح الآخرين من دون أن يعلموا.
وتُوجِّه نصائح عامة للشباب والفتيات بضرورة إتقان العمل الذي يقومون به، وعدم انتظار المدح أو الاستفادة من شخص معين، وأن يكون لديهم الجرأة في التواصل مع الجهات المختلفة، فقد صار لدينا كثير من الفرص المتاحة لبناء الشخصية والذات، وليس النجاح انتظار مانح أو برنامج معين لفترة معينة لأجل بناء قدراتنا، بل يجب على الشباب أن يبنوا قدراتهم بأنفسهم.
تسعى للعمل في منظمة تعمل على نطاق أوسع بقدرة أكبر في مجال الشباب، وطموحها أن تكون جزءًا من فريق سيعمل في إعداد خطة استراتيجية للشباب في اليمن، ومستقبلًا بعد انتهاء الحرب، وأن تكون لهذه الخطة الاستراتيجية انعكاس على الدستور اليمني بعد البدء بعمليات إعادة صياغة الدستور، لتتوفر قوانين دعم ومساندة الشباب مستقبلًا، وتؤكّد على مسألة مشاركتهم في الحياة السياسية والاجتماعية.
تعدّ عُلا ما وصلت إليه اليوم بداية الطريق للوصول إلى تحقيق كل الطموحات والأحلام التي تسعى لها، وتعدّ أنه مازالت تنقصها كثير من النشاطات والأعمال؛ لكنها راضية عما وصلت إليه اليوم، وربما تكون مثالًا ناجحًا لكثير من الشباب، ولايزال لديها رغبة في تحقيق المزيد، وأن يعمّ اليمن الأمن والسلام.

(تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع غرفة أخبار الجندر اليمنية الذي تنفذه مؤسسة ميديا ساك للإعلام والتنمية)

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية