مواد غرفة أخبار الجندر

15
يناير

نساء اليمن | محاميات في زمن الحرب وناشطات في بلد منكوب

 عبدالسلام المساجدي

بالتوازي مع استمرار الصراع في اليمن منذ نحو سبع سنوات، وتعذّرِ الخروج من نفق الأزمة التي ألقت بظلالها على مجمل القطاعات في البلاد، تضاءلت لدى معظم اليمنيين فرصُ الحصول على أساسيات المعيشة، وقد ترافق ذلك مع تعاظم التحديات التي انسحبت تبعاتها على المرأة اليمنية، وأجبرتها على الخروج إلى سوق العمل في مهمة الكفاح من أجل البقاء وفي ظل واقعٍ قاسٍ وأقلّ إنصافًا.

في ذلك الوضع، برزت أعداد كبيره من نساء اليمن للعمل في مهنة المحاماة، التي لطالما ظلّت زمنًا حكرًا على الرجال، رغم الصعوبات والمعوقات التي رسّخت الاعتقاد بتعذر إمكانية المرأة اليمنية على التعامل معها وتجاوزها، لكن ما حدث كان العكس تمامًا.

تصاعد إيجابي 

تشير الإحصاءات لدى نقابة المحامين اليمنيين إلى تزايد نسبة السيدات اللاتي التحقن بمهنة المحاماة في اليمن، بنسبة تتعدّى عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل عام 2014، وهي نسبة، كما تقول النقابة، غير مسبوقة، وذلك بالنظر إلى الواقع اليمني الذي يوصف بأنه أحد أكثر المجتمعات ذكورية.

 

بحسب آخر إحصائية لنقابة المحامين اليمنيين، كانت حوالي 150 امرأة يمنية تعمل في مجال المحاماة في عام 2014، أي بنسبه 4٪ من إجمالي عدد المحامين الذكور الذين وصل تعدادهم في العام نفسه إلى 3529 محاميًا، أي بنسبه 96٪. في الوقت الراهن، تشير تقديرات أن أعداد النساء والفتيات العاملات في هذا المجال على الصعيد الوطني ارتفعت خلال سنوات الحرب الماضية إلى أكثر من 584 محامية، وهي نسبة تفوق 9٪، في حين وصل عدد المحامين الذكور في العام نفسه إلى 5976 محاميا بنسبة 91٪، فمن بين كل عشرة محامين رجال هناك محامية امرأة، بحسب آخر إحصائية لنقابة المحامين اليمنيين.

 

وتتوقع النقابة زيادة هذه النسبة لأسباب عدّة، في مقدمتها تغيّر النظرة المجتمعية تجاه المرأة اليمنية بشكل عام، والتأييد المجتمعي غير المسبوق لعمل المرأة في مهنة المحاماة، بخلاف عمّا كانت عليه في السابق، إضافة إلى كسر القيود المجتمعية التي قيّدت حرية المرأة في اختيار نوع وطبيعة عملها لعقود من الزمن، فضلا عن الانهيار الاقتصادي وتدهور الأوضاع المعيشية، وانقطاع مرتبات موظفي الدولة للعام السادس على التوالي.

 

تلاشي التحفظات الاجتماعية

أظهرت نتائج استبيان أجرته شبكة “رأي كوم” على منصات التواصل الاجتماعي في اليمن أن 66% من اليمنيين أيّدوا عمل المرأة في مهنة المحاماة، فيما عارض هذا الأمر 34% من المشاركين. وأظهرت نتائج استطلاع رأيا آخر أجرته وكالة الأركويش الإخبارية على حسابها في التليجرام أن نحو 64٪ من اليمنيين أبدوا ثقتهم في قدرات وكفاءة المرأة اليمنية محاميةً، وأنهم لا يمانعون من إسناد مهمة الدفاع عنهم أمام القضاء إلى امرأة، في حين عارض هذا الأمر 36٪ من اليمنيين.

 

في حديثه لـ”الشاهد برس”، يقول القانوني ونقيب المحامين اليمنيين عبد الله راجح: “نظرة المجتمع اليمني تجاه عمل المرأة في هذا النوع من الأعمال تغيّرت عما كانت عليه في السابق، وأصبح على درجة متقدمة من النضج لتقبل فكرة المساواة والمشاركة بنسبة تصل 70٪؛ إذ لم يعُد الأمر مقتصرا على المنافسة بين الرجل والمرأة لنيل الوظائف العادية فحسب، بل هناك سباق ومنافسة قويان بين الجنسين على شُغل المناصب العليا في الدولة، ولا سيما أن معطيات الميدان تقول إن المرأة اليمنية لم تدخل مجالا إلا أثبتت جدارة منقطعة النظير، بل قد تفوق نظيرها الرجل قدرة وكفاءة”.

 

المحامي القانوني عبدالله راجح (نقيب المحاميين اليمنيين)

يستدرك راجح بأنه على الرغم من الإقبال الكبير من النساء على مهنة المحاماة خلال سنوات الحرب الماضية، أثّر فساد المحاكم اليمنية وإجراءات المحاكمة وغياب الحماية القانونية بشكل كبير على مستوى وطبيعة عمل النساء في هذه المهنة، وأُجبرت بعضهن على ترك مهنه المحاماة خشيةَ تعرض كرامتهن للانتهاك وحياتهن للخطر، هذا إلى جانب وضع مجتمع اليمن التقليدي الذي يخصّص مهنا معينة للمرأة، ويعدّ مهنة المحاماة مما لا يتناسب المرأة، بحجّة أنها مهنة تحتاج إلى جرأة وقوّة شخصية.

 

من جانبه، يؤكد المواطن يحيى محمد حسين المَطَري (31 عاما) لـ”الشاهد برس” قائلا: “مضى عليّ قرابة ثلاثة أعوام منذ أوكلتُ مهمة الدفاع عن قضايا إلى محامية تعرّفت عليها عبر أحد مكاتب المحاماة. بعدها بعام، صار لديّ محاميتان. ومنذ ذلك الحين، لم أخسر أي قضية في المحكمة. كسبتُ كل القضايا التي ترافعتُ فيها، وصدرت أحكام ضد خصومي، وأنا لست متخوفا من خسارة أي قضية من القضايا التي أوكلتها إلى محامية امرأة”.

المواطن يحيى محمد حسين 

يضيفُ المَطَري قائلا: “في البداية، تعرّضتُ لكثيرٍ من الانتقادات الحادّة من خُصومي في المحكمة. تنوّعت أشكالها بين السخرية والاستهزاء والسب والشتم، حتى وصل بهم الحال إلى التلفُظ على محاميتي بألفاظ بذيئةٍ ونابية! لكن هذه المواقف سُرعان ما تلاشت مع مُرور الوقت”.

من واقع تجربته الشخصية، يخلص المَطَري إلى استنتاجه قائلا: “المرأة اليمنية المحامية تمتاز عن زملائها في المهنة من الرجال، بأنها أكثر نشاطا وإخلاصا وانضباطا وجدّية في عملها، إضافة إلى أنّها أكثر أمانة ومصداقية وقناعة والتزاما بالمواعيد وبمبادئ وأخلاقيات المهنة، وهذا بخلاف كثير من المحامين الذكور، ويندر أن تتوقع أن يحصل منها خيانة للقضية، أو القبول بالرشوة للتنازل، كما هو حال بعض المحامين الرجال”.

تعافٍ لا يخلو من عراقيل

يذكر تقرير صدر مؤخرًا عن منظمة العمل الدولية، أن الفجوة بين الجنسين في مجال العمل في اليمن، شهدت تحسّنًا ملحوظًا خلال السنوات الخمس الماضية، مشيرا إلى أن الطريق صار واضحًا نحو إحراز تقدم ملموس في هذا المجال.

 

ورغم ذلك التحسن اللافت، ما تزال جملة من العراقيل تعترض كثيرا من العاملات في هذه مهنة المحاماة، تصل أحيانًا إلى حدّ التعدي المباشر بأوجه مختلفة. وفقًا للمحامية الشابة زينب البنّا التي تقول في حديثها لـ”الشاهد برس”: “نتعرضُ للمضايقات والتهديد، ونواجه أشكالًا متعددة من العنف اللفظي أو الجسدي، ولو ألقت المرأة اليمنية بالا لعادات وتقاليد المجتمع السلبية، لما سُمح لها بالعمل في هذا المجال نهائيا”.

على الرغم من تلك التحدّيات، ترى البنا أن “مهنة المحاماة من أفضل بيئات العمل التي تتناسب مع شخصية وخصوصية المرأة اليمنية، لا سيما أن البلاد تمرّ بمرحلة حرب كثرت فيها قضايا النساء، لذا فالمحاميات هن الاكفأ والأنسب، بل الأجدر بهذا النوع من القضايا”.”.

المحامية القانونية نادية الخليفي

في تصريح لـ”الشاهد برس”، تذكر القانونية نادية الخليفي (أول محامية يمنية في الشطر الشمالي من البلاد) أن وزارة العدل اليمنية رفضت منحها رخصة مزاولة المهنة حين تقدّمت بطلبها عام 1985م، رغم تفوقها الدراسي ومؤهلاتها العلمية، بحجة أنها امرأة، ولاعتبارات العُرف اليمني السائد آنذاك. في الوقت نفسه، كانت الوزارة تمنح الرخصة لأُمّيين (لا يجيدون القراءة والكتابة) ممن كانوا يعرفون بـ”وكلاء الشريعة”.

 

وعن تقبل المجتمع لطبيعة عملها في تلك المدّة، توضّح الخليفي: “في الحقيقة قابلتُ كثيرا من ردود الفعل السلبية وتأثرتُ بها كثيرا، ثم فكرتُ أن كل هذا الاستنكار أمر طبيعي لأني أول امرأة تزاول هذه المهنة في ذلك الحين، ثم أني بتحملي لهذه الصعوبات أمهّد الطريق وأجعله ممكنا لمن يأتي بعدي من النساء للعمل في مجالي نفسه، وها هو اليوم أصبح واقعا ملموسًا على الأرض”.

 ضغط العمل والتزامات الأسرة

علاوة على ما سبق، تواجه كثير من المحاميات اليمنيات صعوبة في المواءمةِ بين عملها محاميةً وتأديةِ واجباتها والتزاماتها الأُسرية ربةً للمنزل، كما هو حال المحامية فيروز الجرادي التي تقول إن التزاماتها الأسرية تجاه زوجها وأطفالها، يعيقان تفرغها للمهنة، ويجعلان تقدم عملها يسير على نحوٍ أبطأ مما كان سيحدث لو أنها لم تكن ربة منزل، وعلى الرغم من ذلك، تصرّ على الاستمرار في عملها؛ لأنها تجد شغفها الكبير في ممارسة مهنة المحاماة التي تعلمت منها الصلابة والاتزان، حد قولها.

المحامية القانونية فيروز الجرادي

تضيف الجرادي: “على الرغم من جمال المهنة وتجددها، يظلّ العمل فيها شاقا ومرهقا، وأحيانا تحتاج من المرأة إلى كثير من الصلابة والقوة لتستمر، خصوصا في ظل تدني الوضع الحقوقي والقانوني وغياب الحماية القانونية في اليمن، وخصوصا أيضا عندما تتولى المرأة قضايا يعتبرها المجتمع خطوطًا حمراء لا يجب التحدث عنها، ناهيك القيام بالدفاع عنها”.

المحامي القانوني عبدالله الذبحاني

في المقابل، يتبنّى المحامي القانوني عبد الله الذبحاني رأيا فيه اختلاف، ويقول: “إن مهنة المُحاماة تحتاجُ إلى جرأة وقوة شخصية، ولا تتصف المرأة اليمنية بهذه الصفات، وبالتالي لا تناسب المحاماة النساء لعدة عوامل متصلة بقدراتها الشخصية، وتحد من إمكانياتها المهنية أمام القضاء، مثل عامل الحياء، الذي يؤثر عليها في الطرح وفي التحرّك في الميدان، إضافة إلى عدم قدراتها على التواصل مع موكّليها في كل الأوقات، إلى جانب المخاطر التي قد تتعرض لها بفعل عملها في هذا المجال، مثل المضايقات وغيرها من مظاهر العنف القائم على حسب النوع الاجتماعي.

 

ولم يُخفِ الذبحاني انزعاجه من الأضرار المادية التي لحقت به، نتيجة إقبال النساء والفتيات على العمل في فضاء المحاماة، خلال سنوات الحرب الماضية، قائلا: “في السابق، كُنت أترافع يوميًا في أربع إلى ست قضايا، واليوم بفعل المبالغ الزهيدة التي تطلبها زميلات المهنة، تراجع العدد إلى قضية أو قضيتين حدّا أقصى، وغالبا ما تمضي علينا ثلاثة إلى أربعة أيام، ونحنُ جالسون في المنزل من دُون عمل.

المحامية القانونية نبيلة المفتي

من ناحيتها، قالت المحامية “نبيلة المُفتي” عضو مجلس النقابة العامة لنقابة المحامين اليمنيين في حديثها لـ”الشاهد برس”: “إنه رغم إقبال المرأة اليمنية المتزايد على مهنة المحاماة لأسباب متعددة، ما زال وجودها في هذا المجال ضعيفاً؛ لأن مهنة المحاماة من المهن الصعبة، إلى جانب العقبات التي تعتري طريقها، وتعوقها عن التقدم والمشاركة في مجالات الحياة، سواء بسبب الاختلالات القانونية، أم بسبب العُرف القبلي السائد، وعدم الوعي المجتمعي بدور المرأة وقدراتها وبإمكاناتها المساوية للرجل”.

 

 

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية