مواد غرفة أخبار الجندر

05
ديسمبر

خلال سنوات الحرب .. تمكين غير منصف للنساء

 زكريا محمد

أثرّت الحرب، وما ترتّب عليها من ظروف معيشية قاسية، من انقطاع المرتبات، وكذا طبيعة الأدوار الاجتماعية للأسرة اليمنية، على المجتمع اليمني، فالنساء اللاتي عشن حبيسات البيوت، وبحاجة إلى ظلّ الرجل هن من صرن يتحمّلن المسؤولية ليس فقط للأسر التي توفي معيلها، لكن حتى مع وجوده.

لم يكن كثير من الرجال قبل اندلاع الحرب يقبلون بعمل المرأة خارج المنزل، أو بمشاركتها بأي أنشطة اقتصادية إلا القليل، لكن دورها برز مع تدهور أوضاع الأسرة، وانتشرت المشاريع والصناعات التقليدية المنزلية للنساء في عموم المحافظات.

أم محمد واحدة من النساء اللاتي ظلّ الأزواج يعترضون على عملهن خارج المنزل، لكن مع انقطاع المرتبات صار عملها ضرورة لإعالة الأسرة، فتعلمت صناعة العطور والبخور، وبدأت تروّج لمنتجاتها في صالات الأعراس والحارة، التي تعيش فيها، وصالونات التجميل، ونسجت شبكة كبيرة من العلاقات والزبائن.

أنشأت أم محمد معملا صغيرا في المنزل، وتحسن المستوى المعيشي للأسرة، وبدأ الزوج يتقبّل عملها، ويساعدها في بعض أعمال المنزل، كما تقول. 

وبحسب مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، في تقريره حول تداعيات الحرب على القوى العاملة في اليمن، تحوّلت النساء إلى معيلات رئيسيات خلال فترة الصراع، وقمن بإنشاء مشاريع جديدة داخل المنزل غالباً، أو بالالتحاق ببعض المهن كعاملات في المطاعم أو ممارسة التجارة في الأسواق على مداخل المدن والقرى، وهي مهن كان يهيمن عليها الرجال سابقاً. 

تمكين أم مسؤولية

لقد أوجدت الحرب مزيداً من النساء المعيلات ممن لم يكن لهن نشاطات اقتصادية مسبقا، وكن يعتمدن بشكل أساسي على الرجل، وفرضت عليهن مسارا اقتصاديا جعلهن يكافحن من أجل البقاء، بحسب مها عوض خبيرة النوع الاجتماعي، التي تؤكد أن التمكين -الذي حصلت عليه المرأة خلال سنوات الحرب- جاء من منظور الاستجابة الطارئة وليس أكثر، وأن الحرب فرضت على النساء أن يكن معيلات، ويتحملن مسؤولية توفير لقمة العيش وحماية الأسرة.

وتقول عوض: “التمكين جاء لإسناد نساء في برامج التدريب وإدارة أنشطة ومشاريع اقتصادية محدودة، وزيادة النشاط مرتبط بالظروف المحيطة التي أوجدتها الحرب، لكن هذا التمكين لا يخلق فرص عمل بشكل واسع، ولا يعطيها القدرة على امتلاك القوة والسيطرة على حياتها، واتخاذ القرارات الإستراتيجية”. 

تتفق الدكتورة فاطمة مشهور -رئيسة تكتل شركاء من أجل السلام- مع عوض، في أن التمكين في مجال الصناعات المنزلية أحد المجالات التي تتيح الخروج من دائرة الفقر في أضيق حدوده، ويعد جزءاً يسيراً من برامج التمكين الاقتصادي. 

وترى مشهور أن التمكين الاقتصادي، ومنه الخاص بالحِرف المنزلية، يصل إلى فئة أوسع من النساء المتضررات من الحرب، في إطار الاستجابة للاحتياجات الطارئة، ونتائجه تظهر على المدى القريب والمتوسط.                  

غياب الدعم

بذلت النساء جهودا كبيرة للحصول على التمكين، وواجهت البعض معارضة شديدة من قِبل الأسرة والمجتمع، ولم تتلقَّ المساندة والدعم سوى في مجال التأهيل من بعض المنظمات والجمعيات، وعلى رأسها المساحات الآمنة الخاصة بالمعنّفات، التي تتواجد في معظم المحافظات، ويشرف عليها اتحاد نساء اليمن بتمويل من صندوق الأمم المتحدة للسكان. علاوة على بعض المؤسسات ومراكز محو الأمية.

وخلال سنوات الحرب، اقتحمت كثير من النساء سوق العمل عبر مهن منزلية تقليدية، أبرزها: صناعة البخور، والعطور، والحلويات، والإكسسوارات، والدمى، وتوسعت أعداد العاملات في مجال الخياطة والتطريز والكوافير، واستطاعت 76% من النساء تحمّل مسؤولية الأسرة، بحسب التقارير المحلية.

واستطاعت نعمة الشرعبي أن تكون واحدة من النساء اللاتي طوّرن أنفسهن، حيث تمكّنت من التخلّص من الأميّة، وأسست جمعيتها الخاصة بتعليم المهارات المنزلية في صنعاء.

تقول الشرعبي: “لم أتلقَّ أي دعم من الأسرة، واستغليت كل فرصة سنحت لتطوير ذاتي، ومازال لديّ الكثير من المشاريع التي أتمنّى الوصول إليها”.

وبمقابل كفاح النساء للخروج من دائرة الفقر، لا تقدّم الدولة تمويلا أو مساعدات لأصحاب المشاريع الصغيرة من النساء، وتكتفي بتقديم مساعدات مالية صغيرة لبعض الأسر المسجّلة في كشوفات المساعدات، بحسب مصدر مسؤول في وزارة الشؤون الاجتماعية التابعة لجماعة الحوثي – طلب عدم ذكر اسمه. 

لا تقف المشكلة عند دعم المرأة في النهوض بمشروعها الخاص، ولكنّها تواجه تحديا حقيقيا في استمراريته.

وبحسب الصحفي الاقتصادي عاصم السادة، فقد توقفت العديد من النشاطات الاقتصادية للنساء، بسبب ارتفاع أسعار المكوّنات الأولية، والأوضاع الاقتصادية المتدهورة، بالإضافة إلى المنافسة الشديدة في ظل غياب القدرة الشرائية للمجتمع.

ودعا السادة إلى إيجاد مصادر دعم وتمويل لتلك المشاريع، لضمان استمراريتها، وتدريب النساء على أساليب التسويق، والترويج لمنتجاتهن. 

ما التمكين المطلوب؟

تمكين النساء في مجال الحرف والمهن المنزلية يعد تمكينا حقيقياً، دُفعت له المرأة نتيجة للحاجة، وانعدام مصادر الدخل، لكن نتائجه ليست ملبّية للاحتياجات، وتحتاج إلى تمكين أوسع في مجال الصناعات، ودعم اقتصادي وسياسي أشمل، والحصول على التدريب والأدوات، وإيجاد مصادر دعم لتوفير الاحتياجات، كما تؤكد الدكتورة والناشطة الحقوقية أشواق محرّم.

تُجمع القيادات النسوية على أن التمكين الحقيقي يرتبط بقدرة النساء على الوصول إلى الموارد الاقتصادية، والتحكم بها، وتمكينها من تغيير النظام الاجتماعي والاقتصادي، وصناعة القرار، والمشاركة في اتخاذ القرارات الأسرية والمجتمعية، ويصبح الاعتراف بها وبدورها واقعا ملموسا.

وبحسب عوض، يجب أن يتناسب التمكين مع تدخلات الاستجابة الطارئة، بما يخلق تغييرا في واقع حقوق النساء، ك: الحق في المشاركة الاقتصادية، وخلق تمكين مستدام يأخذ بعين الاعتبار التحديات التي تواجههن على مستوى الأسرة والمجتمع، ويوفّر العوامل القانونية والإجراءات التسهيلية الداعمة، ويتح لها الفرص في الحصول على الخيارات. 

وترى مشهور أن التمكين الحقيقي يأتي من خلال مشاركة النساء في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ومواقع صنع القرار، بحيث تستطيع أن ترسم ملامح المشاركة الفاعلة والتعبير عن قضاياها ومصالحها، لكنها تؤكد أن النساء لم يُمنحن المراكز والأدوار التي تليق بكفاحهن، واستأثر الرجل بالمناصب.

الضحايا والسلام

تعد النساء أكبر ضحايا الحرب الدائرة منذ نهاية العام 2014، وخسرت بسببها الزوج والمعيل والابن، وتحمّلت مسؤولية حماية الأسرة، وتوفير احتياجاتها، كما نزحت وشُرّدت، وتم اعتقالها والمساومة بها لتغيير موقف الرجل المناهض لسياسة الأطراف، ولهذا كانت النساء أكثر من يطالب بالسلام وإنهاء الحرب.

وأنشأت النساء العديد من الكيانات والتكتلات الرامية لإيصال أصواتهن إلى الأطراف المتصارعة، وعلى الرغم من تغيّبهن في المفاوضات المباشرة، إلا أنهن شاركن بفاعلية عبر مسارات أخرى من خلال المشاورات واللقاءات مع العاملين المحليين والدوليين المعنيين بعملية السلام، وعقد التحالفات، وتقديم المبادرات.

تقول عوض: “المكوّنات النسوية بذلت جهدا كبيرا في عملية بناء السلام، إلا أن كل المبادرات التي تقدّمت بها اصطدمت بعقبة تجاوب الأطراف”. 

وتتفق معها محرّم أن للنساء دورا فاعلا في عملية السلام، إلا أن إشراك النساء في عملية السلام ليس بالقدر الكافي، وهناك قصور في الاستماع لصوتهن.

وفّرت الحرب بيئة خصبة لتراجع حقوق النساء، وهيّأت المناخ للمعارضين لحقوق المرأة في الوقوف أمام الجهود التي تبذلها للمطالبة بحقوقها الإنسانية والمواطنة المتساوية، حيث وضعت تقارير مؤشر الفجوة بين الجنسين اليمن -خلال السنوات الأخيرة- في المرتبة الـ155 بين بلدان. 

تم تنفيذ المادة في إطار مشروع غرفة أخبار غرفة الجندر اليمنية الذي تنفذه مؤسسة ميديا ساك للإعلام والتنمية

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية