مواد غرفة أخبار الجندر

المعنفات اليمنيات |محاولات للتغلب على سلطة الذكور
22
أبريل

المُعنّفات اليمنيات | محاولات للتغلب على سلطة المجتمع الذكوري

 هيفاء المذحجي

تعاني النساء في اليمن كثيرا من الصعوبات، وتتعرّض نسبة كبيرة منهنّ لأنواع متعددة من العنف، مثل العنف الجسدي والنفسي واللفظي، سواء أكان من أفراد الأسرة نفسها أم من المجتمع، وذلك في ظل استمرار الحرب الدائرة في البلاد لأكثر من سبع سنوات، مفاقِمةً من معاناة المعنفات والناجيات من العنف.
هناك كثير من النساء المعنفات أرهقتهنّ الحياة، وتدهور وضعهنّ الصحي والمعيشي بشكلٍ قاسٍ، وانعدمت سبل دعمهنّ أو حتى حمايتهنّ، بالإضافة إلى نظرة المجتمع لهنّ، وإلقاء اللوم عليهنّ فيما وصلنَ إليه أو تعرضنَ له، من دون تقديم الدعم والحماية لهنّ، وذلك في مجتمعٍ لطالما صادقت دولته على القرار الأممي رقم 1325، بشأن المرأة والسلام والأمن، وعلى الرغم من ذلك، لم نرَ أي معالجات لوضعهنّ أو انخفاضًا ملموسًا لمنسوب العنف، خصوصا في السنوات الأخيرة.

الدعم والتأهيل

من الضروري إيقاف العُنف ومحاربة مرتكبيه، وإخضاعهم لقانون الحساب والعقاب، وذلك لا يقل أهمية عن ضرورة إعادة تمكين المعنفات وتأهيلهنّ نفسيًا واجتماعيًا، وتقديم الحماية القانونية لهنّ، والأخذ بأيديهنّ لمواجهة تبعات العنف، ورسم ملامح حياة جديدة لهنّ، خالية من العنف ومفعمة بالأمن والطمأنينة، إذ ظهر مؤخرًا مركز الحماية والتأهيل بمدينة تعز ليُسهم في هذا الأمر، وليكون مأمنًا للمُعنّفات والناجيات من العنف.
السيدة أم أيمن (اسم مستعار) من محافظة تعز (35 عامًا)، تحكي لنا تفاصيل قصتها التي عاشتها في مركز الحماية والتأهيل لأكثر من 3 سنواتٍ، وتبدأ حديثها ل المشاهد بالقول: “تربيتُ وترعرعتُ منذ الصغر في دار للأيتام، وتزوّجت كذلك من الدار، وكانت حياتي حينها شبه مستقرة إلى أن توفي زوجي، لأبقى بعدها وحيدةً مع طفلي بالشارع في صراعٍ مع الحياة والمجتمع”.
لم تكُن أم أيمن تحترف أي مهنةٍ في أثناء عيشها مع زوجها، ولم تكُن على اختلاط كبير بالمجتمع، فقد كانت حياتها محصورة على المنزل وزوجها وطفلها، والاهتمام بتربية طفلها والاعتناء به. وبعد وفاة زوجها، وجدت نفسها وحيدةً من دون أي معيلٍ أو حماية لها ولطفلها، ولك عزيزي القارئ أن تتصوّر كمية المعاناة والعنف التي تعاني منه أي امرأة وحيدة بمفردها في مجتمع تسودُه السلطة الذكورية ولا يؤمن بقدرات المرأة واستقلاليتها.

“عانيتُ كثيرًا بعد وفاة زوجي وصرتُ بلا مأوى وتعرّضت للتحرش والإهانة، وواجهتُ أيامًا شديدة السواد”، تضيف، وبعد تلك الأيام الصعبة، سمعت أم أيمن عن وجود مركز الحماية والتأهيل وما يقدّمه للنساء مثيلاتها، ثم حزمت أمرها وذهبت مع طفلها إلى مقرّه، ليصبح ملجأها الوحيد، وقد قدّم لها الإيواء والحماية القانونية والإرشادات النفسية.
وعمل المركز على تمكينها اقتصاديًا، بتدريبها على عدة حِرف ومهن، منها الخياطة والتطريز، وهو المجال الذي احترفت أم أيمن العمل فيه في وقتٍ قصير، وشكّلت لها تلك المهنة فيما بعد مصدرًا أساسيًا للدخل، وبما يعينها على مواجهة صعوبات الحياة والمجتمع معًا ومنحها الاستقلال المادي، تشرح أم أيمن: “بعد لجوئي للمركز وتعلّمي للخياطة، أصبحت امرأةً لها عملها الخاص، وشعرتُ بقدرتي على العيش بكرامة، وأصبح لديّ معنى في الحياة بعدما كنتُ وحيدة مشرّدة”.

الحماية والإيواء

بخصوص طبيعة عمل المركز والخدمات التي يقدّمها للنساء المعنفات والناجيات من العنف، تقول مديرة دار الإيواء في المركز شادية راجح ل”المشاهد: “إن المركز تأسس عام 2019، بجهودٍ ذاتية لها برفقة مجموعة من النساء، ويُعدّ المركز الوحيد الخاص بالنساء المُعنّفات بتعز، حيث يقدّم الدعم القانوني والإرشاد النفسي والاجتماعي لتلك النساء، سواءٌ أكُنّ المعنفات من الأزواج أم الأسرة، ويشمل ذلك المُطلقات والأرامل والنازحات بسبب الحرب”.
وتضيف راجح أن المركز يحتوي على قسمين: قسم الحماية والتأهيل، وقسم الإيواء الذي يعمل على إيواء المعنفات والسجينات اللواتي رفض أهاليهنّ استلامهنّ من الإصلاحية المركزية بالمدينة، أو المرتبطات بقضايا العار والشرف، بالإضافة إلى احتواء المركز للقسم الأول الذي يعمل على حماية وتأهيل النساء المعنفات وإكسابهن مِهنا يحصلنَ بها على التمكين الاقتصادي ويضمنّ عدم تعرضهنّ للاستغلال المادي.
وفي هذا الصدد، تشير راجح إلى أن المركز قد عمل حتى الآن على تخريج أكثر من 180 امرأة ناجية من العنف، بعد أن حصلنَ على التدريب والتأهيل في مجال الأشغال اليدوية من نقشٍ وخياطة وكوافير وتجميل وغيرها، بالإضافة إلى أن قسم الإيواء بالمركز أيضًا عمل حتى الآن على استقبال 120 ناجيةً من العنف، وقام بحمايتهنّ وإيوائهن وتقديم الدعم القانوني والنفسي.
قام المركز أيضا بلمّ شمل معظم تلك الناجيات مع أسرهن، والبعض الآخر عمل على تزويجهنّ؛ ليصبح المركز أملًا للنساء المعنفات بالمدينة، وذلك في الوقت الذي تخلّى فيه الأهل والأصدقاء عنهنّ، وجارت عليهنّ العادات والتقاليد، “من الأهداف الأساسية للمركز إعطاؤهن الفرصة للاعتماد على أنفسهنّ والخروج إلى سوق العمل والمجتمع بكل ثقة”، تتابع راجح.

العنف.. وسيلة للخضوع

يُعدّ مواجهة المجتمع والبدء بحياةٍ جديدة من أكبر التحديات التي تواجهها النساء الناجيات من العنف، حيث يُعدّ المجتمع اليمني من أكثر المجتمعات انصياعا للفكر التقليديّ، وهو فكر يقيد حرية المرأة ويهضم حقوقها في كل المجالات، وتعرّضُ المرأة للعنف يظلّ “وصمة عار” تلاحقها للأبد بإسنادٍ من المجتمع الذي أصبح يمارس العنف نفسه عليها ثانيةً!
وفي هذا الصعيد، يرى دكتور علم الاجتماع في جامعة تعز، الدكتور محمود البكاري، أن العنف ضد المرأة هو إحدى الآليات الاجتماعية الحاسمة التي تضطر المرأة بموجبها إلى الخضوع أمام الرجل، فينعكس هذا الأمر بشكل كبير على نظرة المجتمع اليمني للمرأة المعنفة، ويتسبب في عدم تقديم الدعم لها.
ويقول البكاري ل”المشاهد: “إن نظرة المجتمع للمُعنّفة نابعة من ثقافة تقليدية تجعل المرأة ضحية لعنف متعدّد الأبعاد؛ إذ ينظر لها بازدراء وتحقير وتهكُم في الوقت الذي يفترض أن يمدّ لها يد العون ويتضامن معها”.
ويشير في حديثه إلى ضرورة دعم المرأة المعنفة وتأهيلها للتخلّص من الآثار التي نجمت عن العنف، لافتًا إلى أن هناك كثيرا من الخطط والمشاريع وبرامج الحماية الاجتماعية المُمكنة لأن تقوم بها مؤسّسات المجتمع المدني في سبيل حماية المرأة من كل أعمال العنف والدفاع عنها.
وتبعًا لذلك يُعدّ نشر الوعي بين الأفراد حول مخاطر العادات والتقاليد التي تعود بآثار ضارّة على حياة المرأة، وحول الظروف السيئة التي تواجهها النساء في الأرياف، وتثقيف المجتمع بحقائق انتشار ظاهرة العنف ضد المرأة من الحلول التي لا يجب تجاهلها، وكذلك أهمية الاستماع لتجارب النساء اللواتي تعرضنَ للعنف، والاستجابة لاحتياجاتهنّ، كما يضيف البكاري.
ويختتم قائلاً: “تدريبُ المرأة وتعزيز قدرتها على كسب المال، إلى جانب دعم أسرتها وتوعية المجتمع بسلبيات الزواج المبكّر والزواج القسري، وكذلك تشجيع مشاركة المرأة في العملية السياسية والتنمية الاقتصادية، كل ذلك يحدّ كثيرًا من ظاهرة العنف ضد النساء في المجتمع اليمني”.

الأثر الدائم!

تنوعت أساليب العنف ضد المرأة في اليمن، وارتفعت نسبته بشدّة مع سنوات الحرب الأخيرة، فبحسب تقرير حديث لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، ازداد العنف ضد المرأة في اليمن بنحو 63% منذ تصاعد النزاع في سبتمبر / أيلول 2015، وهذه النسبة تضع الجمهورية اليمنية ضمن أوائل الدول التي تتعرض المرأة فيها للعنف.
ويُعد التأهيل والإرشاد النفسي من أهم الجوانب التي يركز عليها مركز الحماية والتأهيل، وذلك لأنه الجانب الأهم في حياة الناجيات من العنف، وفق اعتقاد المرشدة النفسية مروى العواضي، وهي تقول إن آثار العنف مترابطة على كل مستويات حياة المرأة، وتصيبها بأمراض نفسية وجسدية مزمنة، بالإضافة إلى فقدان ثقتها بنفسها وبالمجتمع كلّه من حولها.
وتضيف العواضي ل”المشاهد: “سكوتُ المرأة على العنف خوفًا من تفكّك الأسرة يحتاج إلى المزيد من التوعية في الحقوق والواجبات وفي مكانتها بوصفها جزءا من المجتمع وشريكة حياة، وتؤكّد أنه يجب عليها أن لا تسكت عن العنف الذي يمارس ضدها”.
وتشير العواضي إلى أن حاجة المرأة للاحتواء يكون على قدر الضرر الذي واجهته، وبالتالي يجب أن يكون هناك برامج إعادة التأهيل تتناسب مع شخصيتها ورغباتها، لتحويل معاناتها إلى قوة لتستمر في حياة سليمة صحيًا ونفسيًا لها ولأطفالها، وتنوّه إلى أهمية اللجوء إلى متخصصات في المجال النفسي والاستشارات في وقت مبكر للحصول على الدعم المناسب وإعادة التأهيل.
وبحسب دراسة تحليلية حديثة أجرتها منظمة الصحة العالمية، تتعرض واحدة من كل ثلاث نساء في العالم للعنف بجميع أشكاله، ومعنى ذلك أن نحو 736 مليون امرأة حتى الآن تعرضت للعنف في حياتها، وتشير الدراسة إلى أن العنف يسبب للمرأة أضرارا نفسية وجسدية عميقة تستمر على المدى الطويل.

الوعي بالحقوق

تنصّ المادة رقم 41 من القانون اليمني لعام 1990 على أن “جميع المواطنين سواسية أمام القانون، ولكل مواطن الحقّ في المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، وقد جاءت المادة بهدف التوحيد في الحقوق والواجبات بين النساء والرجال في المجتمع، ولكن ما تزال هذه التشريعات حبرا على ورق، ولا تنفذ كما ينبغي على الواقع.
وفي هذا السياق، يرى المختص القانوني والناشط الحقوقي، ياسر المليكي، أن تشريعات الدستور كفلت للمرأة الحماية من العنف مثلها مثل الرجل، ولكن هناك استثناءات تتعلق بعضها بالدية، أو قتل المرأة إذا وجدها الزوج مع آخر على فراش الزوجية، ويرى أن هذا إجحاف بحق المرأة، ولا يمكن أن يتقبل عقلٌ أن المرأة بنصف رجل.
ويضيف المليكي ل”المشاهد” أن قانون العقوبات هو القانون الذي هضم حقّ المرأة في هذا الجانب، واعتبرها نصف الرجل في الحقوق والواجبات، متابعًا حديثه: “للأسف يُتعامل مع بعض البلاغات المقدمة من النساء بتساهل، وتُعد قضايا أسرية يجب سترها، وهذه هي الطريقة التي يفكر بها القائمون على الشرطة وحتى القضاء”.
ويلفت المليكي إلى أن هذا لا يمنع المرأة من التوجّه إلى القضاء في حالة تعرّضت للعنف، حتى لو كان من زوجها أو أحد أقربائها؛ لأنّ من حقها القيام بالإبلاغ ورفع الدعوى ضد زوجها أو قريبها إن كان يمارس ضدها العنف، وهذا أمر مكفول لها في جميع المواثيق الدولية المتعلقة بالمرأة التي صادقت عليها اليمن وفي قوانين الدستور اليمني أيضًا.
ووفقًا للمليكي، هناك عدد كبير من الدعاوى والقضايا من النساء ضد الأزواج ممن يقومون بتعنيفهنّ، ويُفصل فيها بالمحاكم، وينتهي الحكم غالبًا لصالح المرأة رغم غياب الثقافة القانونية في جهاز الشرطة، وسيطرة المجتمع الذكوري في كل مكان.

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية