مواد غرفة أخبار الجندر

18
يناير

رنا ونسيم.. الإرادة تقهر المستحيل

 خالد عبدالواحد

حياة صعبة عاشتها رنا العبسي وشقيقتها نسيم، بسبب الحرب التي شرّدتهما من منزلهما في محافظة تعز جنوب غرب اليمن، في رحلة نزوح متكررة من منطقة إلى أخرى حتى استقرّ بهما الوضع أخيرا بالعاصمة صنعاء.

كانت حياتهما قبل الحرب مستقرة؛ إذ إن والديهما كانا موظفين، فضلًا عن الاستقرار الأمني والاقتصادي، الذي كانت تعيشه مدينة تعز التي تُعدّ العاصمة الثقافية لليمن، لكن الحرب أسفرت عن تهجيرهما، إضافة إلى توقّف المرتبات الذي كانت الأسرة تعتاش عليه.

تخرّجت رنا التي لم تتجاوز الثلاثين عاما من عمرها من قسم إدارة الأعمال، وتخصّصت شقيقتها الصغرى نسيم (26 عاما) في البرمجة بكلية الحاسوب في جامعة تعز جنوب غرب اليمن، وتدرس الشقيقتان حاليا في كلية الإعلام بجامعة صنعاء.

تشرح لنا رنا قصتها مع الحرب والنزوح: “الحرب أثرت علينا كليّا وغيّرت حياتنا. نزحنا نحن وأهلنا إلى بيت جدي، وظللنا هناك قرابة شهر ونصف، ثم نزحنا مع بيت جدّي إلى القرية، وظللنا فيها قرابة شهرين، ولما رأينا أن وضع الحرب سيطول وأننا لن نتمكن من العودة إلى منزلنا، انتقلنا إلى مدينة الحديدة (غرب اليمن)، وهناك ظللنا سنة. كان التيار الكهربائي يتوقّف وسط درجة حرارة عالية في تلك المحافظة الساحلية ونحن لم نعتد على تحتمل درجات الحرارة العالية”.

 

وقالت رنا: “كانت المواجهات في تعز قد هدأت فعُدنا إليها، لكن الوضع أصبح سيئا جدًا، وبقينا ستة أشهر وأنا في البيت، وانقطعت الرواتب، ففكرتُ أن أخرج بحثًا عن عمل، وهنا بدأت أخاف بسبب تردي الأوضاع الأمنية، فجأت فكرة النزوح إلى صنعاء والاستقرار فيها”. تُطلق تنهيدة قوية وتتابع حديثها: “المعانة كانت قوية، شعور عدم الاستقرار يحطّم الشخص. يفكر من أين يبدأ الحياة. عانت الأسرة كلها”.

عقب وصول الأسرة إلى صنعاء بدأت تفكر في البحث عن عمل لتوفير لقمة العيش، بعد أن ظلّت نحو خمسة أشهر تبيع ما تملك من الحليّ، حتى تتمكن من توفير مصروفاتها. “قبل اندلاع الحرب كان الوضع المادي متوسطا، وكنت أدرس في الجامعات، وكانت حياتنا مستقرة والحمد لله”، تضيف رنا.

بحثت رنا عن وظيفة لإعالة أسرتها، لكنها لم تجد الوظيفة التي تناسبها وتوفر لها متطلبات أسرتها، فتوجهت إلى تنمية موهبتها في التصوير التي أحبتها منذ طفولتها. تكشف رنا عن علاقتها بالتصوير وتتحدّث لنا بعيون باكية حزنا على والدها الراحل: “أنا عندي كاميرا، وكنتُ أصور وأنا في الصف السادس الابتدائي. أعطاني إياها أبي قبل أن يُتوفّى، وكانت قديمة”. وتضيف: “كنتُ أمارس موهبتي بالتصوير بجوالي، وكان تصويره جميلا وبدقة عالية آنذاك، وحين أنزّل الصور يقول المصورون: (إحساسك رائع، وصورك جميلة)، فقلت في نفسي: لماذا لا أعمل في التصوير”، لكنها واجهت تحديا كبير، وهو توفير كاميرا تصوير بجودة عالية، إذ إن أرخص كاميرا يصل سعرها إلى خمس مئة دولار.

 

 

ساندتها والدتها في ذلك الأمر. دخلت في جمعية أسرية، واشترت لها الكاميرا بالتقسيط من إحدى صديقاتها، فبدأت بالتصوير في الرحلات العائلية والمناسبات الخاصة بها وصديقاتها من دون مقابل.

تقول رنا: “في 2017 كان الوضع المادي سيئا جدا، فقررت في تاريخ 1/1/2018 أن أخرج موهبتي. ذهبت إلى الدولاب وأخرجت الكاميرا، وقلت: يجب أن أستغل موهبتي وأطور نفسي، ولا بد أن أشتغل”.

تحدثت مع أحد المصورين عن طلب إحدى المجلات أن تعمل معهم، لكنه كان مسافرا، وعند عودته طلب منها أن تعمل من مكتبهم، حتى تتدرب على فنون التصوير، وعلى الرغم من التخوّف والإحراج، كسرت تلك الحواجز، واتجهت إلى العمل من المكتب، وكانت فرصة لها لكسب كثير من المهارات وتكوين علاقات واسعة.

“بدأتُ أتعلم عندهم، وكوّنت علاقات أيضا؛ لأني عندما وصلت في 2018 كنتُ نازحة لا أعرف أحدا، لكن الآن، الحمد لله، أصبح اسمي معروفا وعلاقاتي واسعة. دائما وأبدًا أذكر هذا المكتب بكل خير، وأن الفضل الأول والأخير يعود لهذا المكتب وأصحاب المكتب”.

اتجهتْ إلى تصوير حفلات الأعراس، لكنها واجهت صعوبة في توفير المعدات اللازمة لذلك من كاميرات وإضاءة، فكانت تستأجرها من المحلات المخصصة لبيع وتأجير الإلكترونيات ومن المكاتب أيضا. تقول نسيم: “بدأنا بالتصوير في مجال الأعراس فتعبنا كثيرًا؛ لأنه ليس معنا رأس مال لشراء الأدوات، فكنا نأخذ الأدوات بالإيجار وكان اللابتوب الذي معنا قديما جدا، ولا نستطيع أن نعدل فيه الصور وتحرير الفيديو، فكانت عملية تصدير الفيديو تأخذ منا 24ساعة، وإذا انقطع التيار الكهربائي قبل أن ينتهي التصدير، يذهب كل تعبنا سدى”.

وتابعت نسيم: “هذا الشي لم يوقفنا، بل دفعنا للاستمرار، وقد وصلنا إلى مرحلة البكاء أحيانا؛ إذ كنتُ أطمح أن يكون لدينا كل المعدات حتى أشتغل، لكن الظروف تجبرك أحيانا على المكاره”.

وتحدّث لنا رنا مبتهجة: “في بداية العمل لم يكن الإنتاج ممتازا، لكن الآن عندنا أفضل أجهزة اللاب توب الموجودة في صنعاء، وأفضل الكاميرات المتوفرة في السوق التي كنتُ أحلم بها، والأدوات أيضا عندنا متكاملة”، وأوضحت في حديثها: “الطموح والإصرار يجعلنا نصل إلى تحقيق أحلامنا، ويجعلنا نحصل على أشياء لم نكن نحلم بها”.

تحديات كثيرة:

واجهت الشقيقتان تحديات كثيرة؛ إذ بدأتا من الصفر، أولًا من خلال تعلّم التصوير من الشروحات والدروس المتوفرة على اليوتيوب، بالإضافة إلى تعلم العمل على برامج تحرير وتعديل الصور والفيديو، مثل الفوتوشوب والبريمير، فضلا عن تحدي توفير الأدوات.

تقوم الشقيقتان رنا ونسيم بتصوير حفلات الأعراس بشكل خاص، بالإضافة إلى المناسبات الأخرى وتصوير جلسات استديو والمنتجات والوجبات، وتسعيان إلى تصوير عدد من النشاطات الأخرى. “بصراحة يقولون المصوّر يجب أن يتخصّص في تصوير جانب واحد، لكن أنا بكل تخصّص أستمتع، وأحاول أن أتمكن من إتقان عملي”، تقول رنا. حاليا تتكفل الشقيقتان بتوفير مصروفات المنزل ودفع الإيجار الشهري وتسديد فواتير الماء والكهرباء.

وحول تقبل المجتمع لمهنتهما تؤكّد نسيم تقبل أسرتها لعملهما في التصوير، بل إنها كانت تشجعهما على الاستمرار وتقدّم لهما ما تيسر من الدعم، فضلا عن إشادة أصدقائهما بهما.

ترفع نسيم العبسي من شأن عمل المرأة قائلة: “عمل المرأة ليس عيبا ولا حراما، بالعكس نحن نشأنا في عائلة متفهمة، أبي كان يشجعنا على التعليم ويشجعنا على العمل”. وتقول رنا: “أهلنا كانوا يشجعوننا، ويقولون أنتما سند لنا، ولدي صديق سوري يقول لنا: أنتما قدوة للشباب؛ لأنكما في بلاد فيها حرب، لكنكما وصلتما إلى الشيء الذي تحلمان به ونجحتما فيه”.

وتحدثت رنا: “ما واجهناه في المجتمع الذكوري بوصفنا بنات نعمل في التصوير، أننا لا نستطيع تصوير الإعلانات لكثير من الشركات أو تصوير الأفلام الوثائقية للمنظمات، بسبب الأوضاع الأمنية”. وتابعت حديثها: “أيضا الشباب يرون أن البنات لا يحتملنَ هذا العمل شاق لأن فيه سهرا وخروجا في منتصف الليل وهو وقت غير مناسب الفتيات”.

وعن طموحهما، تذكر الشقيقتان أنهما تسعيان إلى إنتاج كثير من الأعمال في مجال تصوير الأفلام الوثائقية والدعائية، وأن يتمكنَّ من المشاركة بأعمال انتاجية خارج اليمن.

الاستمتاع بطعم النجاح:

دعت الشابة رنا العبسي مثيلاتها من الفتيات إلى استثمار مواهبهن وتطويرها في أي مجال كان وتحويلها إلى فرص عمل. واختتمت حديثها: “مجالُنا صعب جدا سواء على المستوى الصحي أم النفسي أم المادي، لكن من مستحيل أن أقول للبنات مثل ذلك، بالعكس أشجع كل بنت على العمل في مشروعها الخاص وأن تستغل وقتها وتستمتع بطعم النجاح.

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية