مواد غرفة أخبار الجندر

28
ديسمبر

قصص من دار الأحداث.. أطفال أُجبروا على التسول والسرقة وامتهان الدعارة

 رشا فريد
  • رجل يؤجر طفله لامرأة متسولة مقابل 150 ألف ريال بالشهر
  • عصابات تستغل الأطفال للتسول مقابل فتات من الطعام
  • الإتجار بالأطفال..الاستغلال الأبشع للطفولة
  • أطفال يهددون برمي أنفسهم تحت عجلات السيارات لإجبار المواطنين على إعطائهم المال

 

تُعدّ ظاهرة الإتجار بالأطفال واستغلالهم في اليمن مشكلة خطيرة تضيع خيوط حلّها بين خيوط الصراع السياسي المتشابكة، وقد تفاقمت هذه المشكلة تفاقمًا مريعًا بعد النزوح الكبير إلى مناطق عدة في الجنوب هروبًا من سوء الظروف الاقتصادية والاجتماعية. في هذا التقرير حاولنا البحث عن بعض جوانب المشكلة وعن تطوراتها التي تجعلها قضية تؤثر على شريحة مهمة من المجتمع وتهدد كيانه ومستقبله.

 متسوّلون أو نازحون!

لوحظ مؤخرًا ازدياد عدد الأطفال الذين ينتشرون في الجَوَلات (الدوّارات) الرئيسة في عدن ويمارسون أنشطة مختلفة، مثل التسوّل وتنظيف السيارات أو بيع بضائع صغيرة، مثل المناديل والمِمسحات الإسفنجية المطبخية، وحسب بعض المارة والسائقين، قد يصل الأمر بهم إلى التسلّق على الباصات أو السيارات والتهديد برمي أنفسهم تحت العجلات لإجبار المواطنين على إعطائهم المال.

في قلب عدن على شاطئ “كورنيش المحافظ”، وجدت أطفالا تتراوح أعمارهم بين الخامسة إلى الثانية عشر يتسوّلون قُبالة مطعم “شواطئ عدن”. عند تحدثي إليهم، كان ثمة رجل بالغ يراقب المكان. اتجه نحوي فورًا في محاولة لمعرفة فحوى حديثي مع الأطفال. أعطيتهم بعض المال، فأطمأن الرجل وعاد إلى مكانه. بعد ذلك استعجلت الحديث وسألتهم: من أين أنتم؟ أجابوني بتردّد وخوف من وجود ذلك المراقب الذي يبيع المناديل ويشرف على عملهم من بعيد، فعرفت منهم أنهم جميعًا نازحون، كما أجابوني عن أسئلتي حول مناطق سكنهم الواقعة في الدُرين في الشيخ عثمان أو المَحاريق، ومنهم من يأتي من منطقة بئر عَلي أو الفُيوش في محافظة لَحْج المكتظة بالنازحين أيضًا.

مشيتُ قليلًا إلى مكان آخر في منطقة “رِيمي”، فرأيت طفلًا أخبرني بأنه جائع. عرضتُ عليه أن أشتري له ساندوتشا وعصيرا، فوافق فرحًا، لكن سرعان ما أتت امرأة كانت تراقبه من بعيد لتنهره وتطلب مني المال بدلًا من ذلك. انتابتني دهشة عظيمة.

 

 

قررت أن أتعمق في البحث عمن يتاجر بهؤلاء الأطفال الضعفاء، فأتضح لي أنه لا توجد إحصائية في أي من وزارة الشؤون الاجتماعية أو شرطة الأحداث عن العدد الفعلي لهؤلاء. يهيمون في الشوارع ويسكنون في بيوت مزدحمة، يمكن أن يضم المنزل عددًا من الأسر بحسب إفادة إحدى النساء المتسولات، تأتي سيارة في المساء لتجمعهم أطفالًا ونساء ليأخذ زعيمهم الأجرة ويتبرع لهم بقليل من الطعام، وقد يكون الاستغلال أبعد من ذلك، طالما أنه لا رادع.

غيرَ بعيدٍ من ذلك وفي جولة ضَمران، تحدّثتُ إلى سمير ومحمد وجمال، وهم أطفال يتسوّلون ويبيعون مناديل ومِمسحات إسفنجية، ويَعرضون خدماتهم بحمل البضائع لمرتادي السوق. طلبتُ من سمير حمل بعض الأشياء معي لأتمكن من سؤاله والحديث إليه. سمير طفل ذو أربعة عشر ربيعا يتمتع بذكاء لافت. أدرك أنني كنت أوجّه أسئلة لزملائه لأصل إلى شيء معين، فقام فورًا بإجابتي عن محلّ سكنه هو وزملائه، لكن الإجابات كانت متناقضة، لم تمضِ دقيقتان حتى أتى رجل بالغ ليسألني ماذا تريدين منه؟ فسألت سمير: هل تعرفه؟ قال لي: لا، لكن خوف سمير جعلني أدرك بما لا مجال للشك أن استغلال الأطفال قد بلغ مداه، وأدرك أن الأمر منظم وأن تشغيلهم عبر عصابات تستغلهم أسوأ استغلال أمرٌ مفروغ منه.

 

التسول أول خطوة في طريق الانحراف

في طريقنا للبحث عن أصل هذه الظاهرة قابلنا الأستاذ رامي علي مدير إدارة التفتيش في مكتب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وقد أوضح أن ظاهرة عمالة الأطفال واستغلالهم كانت موجودة قبل عام 2015 وإن كانت بشكل أقل بكثير من الآن، وكانت تشمل تشغيل الأطفال في ورش الحدادة والنجارة وغيرها الموجودة في الضواحي البعيدة، مثل الدُرين في الشيخ عثمان، أو تشغيلهم في اصطياد الأسماك في القُرى المُطلة على البحر، مثل فُقُم وعَمْران والخَيْسة، وقد يصل بهم الحال إلى التعرض للاستغلال الجنسي، حسب إحصائيات سابقة للوزارة. أما التسول فكان مقتصرًا على المهمشين.

في الشمال، كانت عمالة الأطفال مزدهرة على الحدود مع المملكة العربية السعودية بالتزامن مع ازدهار السياحة هناك وتوافد السياح من المملكة على تلك المناطق بشكل كثيف، خصوصا في محافظة حجة اليمنية كانوا يمتهنون التسول المنظم ويُستغلون في الأعمال الصعبة والشاقة مثل البناء والعمل في المزارع وغيرها.

 

بشأن الإحصائيات، أجابنا المسؤول بأن الوزارة لا تملك أي إحصائيات لهذه الظاهرة، ويعود هذا بطبيعة الحال إلى صعوبات جمّة تتعلق بحصر عملية النزوح أو بحصر الأطفال الذين يُستخدمون في الأعمال المحظورة قانونيًا تحت سن الثامنة عشرة، ونظرا لصعوبة إعادة تأهيلهم وإعادتهم إلى صفوف الدراسة لضعف الإمكانيات وشحها من جهة، وعدم تعاون أولياء الأمور من جهة أخرى، فالطفل يصبح معتمدا عليه في إعالة أسرته.

 

وبالنسبة للوضع القانوني لحظر عمالة الأطفال دون سن الثامنة عشرة في اليمن، أُطلعنا على كُتيّب صدر من الوزارة يضم المبادئ والأسس التي تحدّد عمل الأطفال في اليمن، وفيه أنه لا يجوز أن يقلّ الحد الأدنى عن سن 18 سنة للقبول في أي نوع من أنواع الاستخدام (العمل)، ويُسمح باستخدام من بلغوا 18 عام ولم ينهوا دراستهم الإلزامية. أما الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 13 و15 سنة، فيُسمح لهم بالعمل بشروط محددة، وأهمها ألا يكون العمل ضارًا بصحتهم أو بنموهم العقلي والجسماني، وألا تعطلهم هذه الأعمال عن مقاعد الدراسة.

 

يسرد الكُتيب أيضا قائمة بالأعمال المحظورة التي يجب القضاء عليها، فيحظر استخدام الأطفال وتشغيلهم لأغراض مثل الدعارة وترويج المخدرات، والدفع بالأطفال نحو نزاعات قبلية أو صراعات مسلحة، أو بيعهم والاتِّجار بهم، أو جعلهم يزاولون أعمالا تضر بصحتهم أو سلامتهم أو سلوكهم أو أخلاقهم، كما لا يجوز منع الأطفال أو إعاقتهم عن تلقي التعليم الأساسي. وتقوم الوزارة بالنزول الميداني لأرباب العمل بصورة دورية للتفتيش والتأكد من التزامهم بمعايير تشغيل الأطفال، ويسرد الكُتيب قائمة تضم 57 وظيفة يحظر على أرباب العمل تشغيل الأطفال بها.

 

وعند سؤال الأستاذ رامي عن دور الوزارة في مكافحة عمالة الأطفال، أُبلغنا أن الوزارة تقيم احتفالية سنوية في الثاني عشر من يونيو من كل عام بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عمالة الأطفال في كل محافظة من المحافظات، وقد أقامت الوزارة في يونيو الماضي احتفالية لتكريم حوالي مئة طفل بالتشبيك والدعم من منظمة اليونيسف، ودُعموا بمبالغ مالية.

 

تجارة رائجة

ذهبنا بعدها إلى دار رعاية الأحداث في مدينة الشعب، وتأكدت صحة شكوكنا من وجود عصابات تتاجر بالأطفال، وكشف لنا الأستاذ ياسر عبد الله مدير دار رعاية الأحداث – قسم البنين أن معظم الأطفال في الدار هم ضحايا تفكّك أسري وليسوا جُناة. وسمح لي بمقابلة بعض الأطفال هناك. قابلت الطفل “هـ.” الذي أجّره والداه لامرأة “ف.” مقابل مئة وخمسين ألف ريال في الشهر. تظهر على جسم الطفل آثار الاعتداء الجسدي والحروق، وقد أخبرنا عن سبب تلك الحروق، وأن تلك المرأة كانت تضربه إذا تحصل في اليوم الواحد على أقلّ من خمسة عشر ألف ريال، ولا تسمح له بالعودة إلى المنزل إلا وبيده المبلغ كاملًا، بل إنها تجبره أيضًا على السرقة بجانب التسوّل، فقد أُمسك بهذا الطفل متلبّسًا في قضية سرقة. من جهة أخرى، اعتدى عليه زوجُ المرأة جنسيًا. يبلغ الطفل الثانية عشر من العمر الآن، ويتمنى أن يصبح مهندس كهرباء في المستقبل.

ويخبرنا الأستاذ ياسر أن كثيرا من الأطفال مثل “هـ.”، يدخلون إلى المبنى للأسباب نفسها. ويعدّ الاتجار بالأطفال في اليمن تجارة رائجة تدرّ أرباحًا طائلة بمعونة الأهل، الذين انعدمت لديهم روح المسؤولية وعدم الخوف من المساءلة والعقاب لانعدام نظام قضائي رادع لهم.

قابلنا أيضا هناك الأستاذة انتصار الدالي مديرة دار التوجيه الاجتماعي لرعاية الأحداث – قسم البنات، وأمين عام جمعية رعاية وحماية حقوق الأطفال العاملين، قالت: نعاني من صعوبة في التمويل، فقد تزايد عدد المؤسسات التي افتُتحت مؤخرًا لغرض رعاية الأطفال وغيرها للحصول على التمويل، لكنها لا تقوم بأعمال ملموسة على الأرض، وهذا أضعف دور الممولين في دعمنا، ولما كانت عدن تمثل وضعًا معقّدًا بصفتها مجتمعا مُضيفا يجب دعمه للوقوف أمام الصعوبات التي خلقها نزوح الآلاف بل الملايين إليه نتيجةً للحرب، ويترتب على ذلك حاجتها إلى دعم أكبر، فكثير منهم قاموا بإنشاء مؤسسات ومنظمات في عدن واستأثروا بجلّ الدعم المادي والمعنوي، ونحن – بوصفنا هيئة حكومية، وبصفتي أمينة عامة لجمعية أهلية تختص بحماية حقوق الأطفال العاملين أيضًا- لم نتلقَ أي دعم يُذكر سوى الميزانية الضعيفة التي تخصنا بها الدولة، أو بمجهود شخصي بعيدًا عن تمويل المنظمات في الجمعية التي أعمل بها أمينة عامة.

وتضيف الأستاذة انتصار أنه مع ارتفاع الأسعار وازدياد صعوبة المعيشة وحاجة الأحداث لمختلف أنواع الرعاية الصحية والجسدية والنفسية والتغذية الجيدة، نجد أنفسنا في حاجة ملحة لدعم أكبر من ذوي الشأن والاختصاص وفاعلي الخير.

في نهاية زيارتنا قدّموا لنا إحصائية عن عدد الأحداث الذين دخلوا دار الرعاية في عدد من المحافظات في عام 2021، وكان جلّهم من ضحايا التفكك الأسري والإتجار بالبشر، فقد بلغت 40 من البنين و37 من البنات، تراوحت قضاياهم بين سرقة وقتل وضحايا اغتصاب وامتهان الدعارة، ولمّا كانت إحصائية فعلية للأطفال المستَغلين غير موجودة، فنحن بصدد مشكلة كبيرة يجب على السلطات الاتجاه لحلها وتلافي المشاكل التي ستنتج عن هذه الظاهرة مستقبلًا.

 

استغلال يؤدّي إلى عواقب وخيمة

الأطفال هم مستقبل الشعوب وإشراقة الأمل، ووجود شريحة كبيرة منهم مشرّدين أو متسرّبين من الدراسة يشكل عائقًا كبيرًا أمام تطور الشعوب وتقدمها، وهذا أيضا يجعلهم وقودًا لصراع دائم وتهديدًا لأمن المستقبل.

تشرح الدكتورة نور اليافعي أستاذه في علم النفس جامعة عدن وعضوة في الملتقى الجنوبي للثقافة والفنون والتراث أن: مفهوم تشغيل الأطفال يشير إلى “كل عمل يضرّ بصحة الطفل أو بنموه أو رفاهيته، إذا لم يكن هذا العمل من الأعمال النافعة التي تتناسب مع عمر الطفل، وتساعد على تطوره الجسمي والعقلي والروحي والأخلاقي والاجتماعي، من دون أن يؤثر على دراسته أو راحته”.

 

“ويؤدي انتشار الفقر إلى إجبار الطفل على العمل لمساعدة الأهل؛ وفي دول العالم الثالث يؤدي انتشار البطالة إلى تفشّي ظاهرة عمالة الأطفال؛ إذ إن الأطفال الذين يتقاضون أجورًا متدنية يكثر الطلب عليهم في سوق العمل، فيلجأ الآباء إلى تشغيل أبنائهم للمساعدة في النفقات”.

 

“ويُعد انتشار الجهل وتدني المستوى التعليمي للوالدين وانعدام الثقافة بقوانين تجريم العمالة للأطفال سببًا من أسباب إجبار الأطفال على العمل، ويعدّ سوء نظام التعليم سببا آخر، فالضرب والتنفير يولّد بداخلهم الكُره للتعليم والمعلمين، وهذا يدفعهم إلى ترك الدراسة وللعمل، وهناك عوامل أخرى، منها انفصال الوالدين وتشرّد الأبناء وكثرة الإنجاب، مما يسبب الفقر وعدم قدرة الأسرة على سد الاحتياجات وزيادة النفقات”.

 

“وللحد من هذه الظاهرة والقضاء عليها، يجب معرفة وتقويم انتشارها والأخذ بعين الاعتبار جميع أشكال عمالة الأطفال واستغلالهم، التي يصعب قياسها بالإحصائيات وحدها، ويجب أيضا فهم الروابط بين التنمية الاقتصادية والاتجاهات الديموغرافية في الدولة وعلاقتها بتشغيل الأطفال”.

 

وعن المخاطر النفسية والجسدية، تقول الدكتورة رانيا خالد أستاذ علم اجتماع المساعد – كلية التربية – عدن واختصاصية اجتماعية ودعم نفسي: “يُعدّ هذا الاستغلال للأطفال خطرًا كبيرًا عليهم، وقد يصبحون في بعض الأحيان ضحايا الاعتداء الجسدي والنفسي والجنسي. كل هذا يهدّد توازنهم النفسي والاجتماعي، وبسبب ذلك قد يعانون أعراضا خطيرة، مثل الانطواء أو الشيخوخة المبكرة أو الاكتئاب. من ناحية أخرى، نجد أن هناك جوانب أساسية يتأثر بها الطفل الذي يتم استغلاله، أهمها التطور والنمو الجسدي، وتتأثر أيضا صحة الطفل من ناحية التناسق العضوي والقوة والبصر والسمع، وذلك نتيجة الجروح والكدمات الجسدية، كما يتأثر التطور المعرفي للطفل الذي يترك المدرسة ويتوجّه للعمل، فقدراته وتطوره العلمي يتأثران ويؤديان إلى انخفاض في قدراته على القراءة والكتابة والحساب، إضافة إلى أن إبداعه يقل بالطبع، كما يقل التطور العاطفي، فقد يتأثر التطور العاطفي عند الطفل العامل، فيفقد احترامه لذاته وارتباطه الأسري وتقبله للآخرين، وذلك جراء بعده عن الأسرة، ونومه في مكان ليس بمنزله، وتعرضه للعنف من صاحب العمل أو من زملائه”.

 

“ويتأثر أيضا التطور الاجتماعي والأخلاقي للطفل الذي يُستغل، وفي ذلك شعوره بالانتماء للجماعة والقدرة على التعاون مع الآخرين، وتتأثر لديه القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، ويزداد التأثر رويدًا رويدًا إلى أن يصبح الطفل مثل العبد، وهو ما يؤثر عليه نفسيًا بشكل كبير”.

 

“من جانب آخر، نجد استغلال الفتيات في الدعارة، وهو نوع آخر من الاستخدام المحظور للطفولة، فاستخدام الأطفال للأغراض الجنسية يراها البالغون أفضل طريقة للحماية منه، إلى جانب خطر الإصابة بالإيدز أو غيره من الأمراض المنقولة جنسيًا.

 

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية