مواد غرفة أخبار الجندر

23
مايو

في اليمن | العنف الزوجي سبب غير كاف للطلاق وفسخ عقد الزواج

 عبدالرحمن الزبيب

يهدف الزواج لبناء أسرة مستقرّة مبنية على أساس العشرة الحسنة والتعامل الإيجابي بين طرفي عقد الزواج وتربية الأطفال تربية حسنة، ويُعدّ العنف في الحياة الزوجية انحرافا خطيرا في مسارها وإخلالا بأهم أسسها وأهدافها.

ويُعرّف العنف بأنه “مصطلح منافٍ للرفق، ويقصد به القيام بأمرٍ مدمّرٍ أو مؤذٍ، وقد يكون لفظياً أو فعلياً، وله أثارٌ سلبيةٌ تجاه الفئة الواقع عليها حيث تتعدّد أساليبه، وقد يؤدّي في بعض الأحيان إلى إنهاء حياة بعض الأشخاص، ويشمل العنف الجسدي واللفظي والنفسي والجنسي والمادي والسيكولوجي وعنف الإهمال”.

ووفقاً لتعريف العنف، يتضح لنا أن العُنف ينافي العنصر الأساسي من الزواج، وهو بناء أسرة مستقرة وحسن العشرة وفق تعريف قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم (20) لعام 1992م وتعديلاته في المادة (6) التي نصت على أن:

“الزواج هو ارتباط بين زوجين بعقد شرعي تحلّ به المرأة للرجل شرعا، وغايته تحصين الفروج وإنشاء أسرة قوامها حسن العشرة”.

والنص القانوني هنا واضح بأن حُسن العشرة هو قوام وأساس الزواج وهدفه، والعنف يعدّ مخالفا لحُسن العشرة المفترضة في الزواج.

إن القرآن الكريم، الذي يُعدّ مصدرا رئيسيا للتشريع اليمني، أوضح أن عقد الزواج مبني على المعروف والإحسان، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في عدد من الآيات القرآنية. قال تعالى: (فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) [الطلاق/2]، وقال تعالى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) [البقرة/229]، وقال تعالى: (فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) [البقرة/ 231]، وفي هذه الآيات يتضح جلياً أن القرآن نصّ على أن الزواج يرتكز على المعروف والإحسان والعنف يتناقض معهما.

إن عقد الزواج مثل أي عقد مبنيّ على شروط والتزامات يترتب عليها حقوق وواجبات لأطراف العقد، وأي إخلال بأي شرط أو بأي التزام يمنح الطرف الآخر الحق في فسخ العقد، ويتحمل المخالف لشروط والتزامات العقد المسؤولية عن ذلك.

وقد منح القانون اليمني لطرفي عقد الزواج الحق في فسخ عقد الزواج في حال إخلال أي طرف بشروط والتزامات العقد، ولكن يُلحظ أن القانون اليمني لم يمنح نفس الصلاحيات في إنهاء العقد لطرفيه بشكل متساوٍ؛ إذ منح القانونُ الرجلَ الحق في الطلاق وإنهاء عقد الزواج بإرادة منفردة ومن دون أي شروط ومن دون اللجوء إلى القضاء لاستصدار حكم قضائي، بينما يُلزم المرأة باللجوء للقضاء لفسخ عقد الزواج وأن يكون هناك مبرر، وغالباً تُلزم المرأة بدفع تعويض مالي للزوج وإعادة المهر.

وقد أشار إلى تلك المشكلة تقريرٌ عن عدالة النوع الاجتماعي والقانون في اليمن صدر عام 2018م من منظمة الأمم المتحدة للمرأة؛ إذ أوضح التقرير أن قانون الأحوال الشخصية اليمني يمكّن للرجل تطليق زوجته من طرف واحد عن طريق فسخ العقد من دون إبداء سبب الطلاق؛ إذ يُمكن للرجل أن يقول “أنت طالق”، في حين أنه للنساء الحق القانوني في رفع قضايا الطلاق، وعلى النقيض من الرجال، يجب عليهن تقديم مبرر للطلاق، مثل وجود عيب في عقد الزواج أو في الزوج، سواء أكان قائما قبل الزواج أم وقع بعد الزواج، وسواء أكان لوجود ضرر نتيجة لغياب مطوّل، أم حبس، أم عدم سداد النفقة، أم لوجود الكراهية.

وأوضحت الدكتورة رجاء الكحلاني، ناشطة حقوقية وإعلامية يمنية، أن القانون اليمني لم يُنصف المرأة المعنَّفة، وتقع المرأة اليمنية ضحية الاستغلال ثم تُساوم للموافقة على فسخ عقد الزواج في مقابل التنازل عن حقوقها القانونية ودفع مبالغ مالية، على الرغم من أن الزوج هو مَن أخل بشروط الزواج والتزاماته القانونية، وذكرت أن تباطؤ إجراءات القضاء يعرقل المرأة حتى تتعب وتخضع لشروط الزوج، وسردت قصة امرأة معروفة لديها تعمل فرّاشة من أجل إعالة أولادها، وكان زوجها يعتمد عليها حتى في مصروفه الشخصي، وإذا لم تُعطه، يظلّ يعنفها حتى يُغمى عليها، وكان من الصعوبة عليها اللجوء للقضاء لرفع دعوى فسخ الزواج، بسبب العنف وبسبب تكرار العنف، فقامت برفع دعوى قضائية أمام القضاء مطالبة بالفسخ بسبب العنف، وبعد عدد من الجلسات، أمرها القاضي أن تُعيد المهر وترد خسارة الزوج من أجل الحكم لها بالفسخ.

بدوره أوضح المحامي والناشط الحقوقي أحمد الكمال أن قضايا فسخ الزواج ارتفعت في السنوات الأخيرة بسبب الحرب، وأن معظمها قضايا خلع أو فسخ للكراهية بسبب التطويل في إجراءات القضاء في دعاوى الفسخ بسبب العنف أو عدم النفقة، وأنه تضطر النساء للجوء إلى دعاوى الخلع ودفع تعويض مالي وإعادة المهر للزوج لاختصار الوقت والجهد الذي يذهب في إثبات دعاوى الفسخ الأخرى، وأن غياب النص القانوني الصريح بحق المرأة في رفع دعوى الفسخ بسبب العنف الزوجي سبب رئيسي في تطويل إجراءات التقاضي في قضايا الفسخ، وأورد قضية منظورة أمام القضاء كان موكَّلا فيها؛ فقد قامت امرأة برفع دعوى فسخ عقد الزواج بسبب تنصل الزوج عن التزامه قبل الزواج بالسماح لها بمواصلة تعليمها، ودخلت القضية في إجراءات مطوّلة لإثبات الدعوى، واضطرت لافتداء نفسها وتحويل القضية إلى دعوى فسخ للكراهية، ملتزمة بإعادة المهر، بالرغم من أن الزوج هو المتنصل عن التزامه. وأشار إلى أن غياب النص القانوني الصريح، الذي يمنح المرأة الحق في رفع دعوى فسخ بسبب العنف الزوجي، يتسبب في منح القاضي سلطة تقديرية واسعة.

ترى الناشطة الحقوقية حنان علي سعيد أن العنف الاقتصادي وحرمان المرأة من حقوقها المالية والنفقة الشرعية هو من أخطر أنواع العنف، وتهرّب الزوج من الإيفاء بالتزاماته بالنفقة الشرعية لزوجته، وأن هناك صعوبة في إجراءات التقاضي، وأن التطويل فيها يتسبب في عزوف كثير من النساء اليمنيات عن اللجوء للقضاء للمطالبة بحقوقهن القانونية أو برفع دعاوى فسخ، بالرغم من أن قانون الأحوال الشخصية أوضح التزامات الزوج لزوجته بعدم مضارتها حيث نصت المادة (41):

“يجب على الزوج لزوجته ما يلي:

4- عدم التعرض لأموالها الخاصة.

5- عدم إضرارها ماديا أو معنويا.”.

هنا أوجب القانون اليمني على الزوج عدم الإضرار المادي والمعنوي بزوجته وعدم التعرّض لأموالها الخاصة، وهذا يشمل جميع أنواع العنف، ولكن بسبب عدم وجود نص قانوني واضح يمنح المرأة اليمنية الحق في فسخ عقد الزواج بسبب العنف الزوجي من دون أن تُعيد المهر أسوة بحق المرأة بفسخ عقد الزواج إذا ثبت إدمان الزوج على الخمر والمواد المخدرة وفقا لنص المادة (55) أحوال شخصية التي نصت على أنه:

“إذا طلبت المرأة الحكم بالفسخ لإدمان الزوج الخمر أو المواد المخدرة وثبت ذلك، تحكم المحكمة بفسخ الزواج ولا يُرد المهر”.

وبمطالعة القانون اليمني نلحظ أنه لا يوجد نص صريح وواضح يمنح المرأة الحق في طلب إنهاء عقد الزواج بسبب العنف، لذلك نلحظ أن معظم القضاة في المحاكم اليمنية لا يعدّون العنف الزوجي سببا من أسباب فسخ عقد الزواج، ويجب على المرأة أن تلجأ لإجراءات أخرى لفسخ عقد الزواج، ومنها دعوى الخلع الذي تشترط دفع تعويض للزوج، وقد أوضحت ذلك نص المادة (72) من قانون الأحوال الشخصية:

“الخلع هو فرقة بين الزوجين في مقابل عِوض من الزوجة أو من غيرها مالاً أو منفعة ولو كان مجهولاً”.

وتضطر المرأة اليمنية الى اللجوء إلى دعوى الخلع ودفع تعويض مالي للزوج والتنازل عن حقوقها القانونية لاختصار الإجراءات والتسريع في فسخ عقد الزواج.

وللمرأة اليمنية أن تتقدم إلى القضاء بطلب فسخ الزواج للكراهية، ولا يتم الفسخ إلا بعد التحقق من السبب، وتُعيد المرأة المهر وفقاً لما أوضحت ذلك المادة (54) أحوال شخصية وتنص على أنه:

“إذا طلبت المرأة الحكم بالفسخ للكراهية، وجب على القاضي أن يتحرّى السبب، فإن ثبت له، عيّنَ حَكَما من أهل الزوج وحَكَما من أهلها للإصلاح بينهما، وإلا أمر الزوج بالطلاق، فإن امتنع، حكم بالفسخ، وعليها أن تُرجع المهر”.

بالإضافة إلى عدم وجود نص قانوني صريح يمنح المرأة اليمنية الحق في فسخ عقد الزواج بسبب العنف الزوجي من دون إعادة المهر أو دفع تعويض للزوج، هناك معيقات أخرى تعيق ذلك الحق، وأهمها صعوبة إثبات العنف الزوجي؛ لأنه غالباً يكون في منزل الزوجية، ولا يوجد غالباً شهود على ذلك العنف، وعدم لجوء المرأة اليمنية إلى المراكز الطبية والمستشفيات لإثبات آثار وقائع العنف الجسدي عليها، ويكون من الصعب للمرأة إثبات وقائع العنف إذا لم يوجد تقارير طبية رسمية تثبت ذلك.

وأفادت الأستاذة وفاء أبو فارع، مديرة الإدارة القانونية في اللجنة الوطنية للمرأة في صنعاء، أنه يجب على المرأة المعنفة سرعة الذهاب الى مستشفى حكومي لإثبات آثار الاعتداء والعنف الزوجي، والحصول على تقرير طبّي يثبت ذلك؛ لأن ذلك يسهّل ذلك إجراءات دعوى فسخ الزواج للضرر، وفي الأخير يعود الحكم بفسخ الزواج لقناعة القاضي وجسامة الضرر، لعدم وجود نص قانوني واضح وصريح يمنح المرأة الحق في فسخ الزواج بسبب العنف الزوجي، ووجوب إجراء تعديل على قانون الأحوال الشخصية اليمني، لينص صراحة على حق المرأة في رفع دعوى فسخ للعنف الزوجي.

 

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية