مواد غرفة أخبار الجندر

22
يوليو

المجبرات على الصمت.. التحرش بالمحارم وجريمة الإفصاح

 أسماعيل الأغبري

تتساءل الطفلة لجين (اسم مستعار) ببراءة: هل كل الآباء يفعلون هذا ببناتهم؟!

تعرضت لجين، ذات العشرة أعوام، لتحرش واغتصاب من أبيها لمدة ثلاثة أعوام، في ظاهرة تحرش بالمحارم التي تفشت في اليمن وازادات معدلاتها، وفق بلاغات سجلها اتحاد نساء اليمن.

ويعد كل مساس بجسد المجني عليه أو بمخيلته الجنسية كتعريضه للصور أو المناظر الجنسية الفاضحة، أو التلصص عليه، أو إجباره على التلفظ بألفاظ خارجة، وكل ذلك قد يدخل قانونيا وفقهيا تحت مسمى هتك العرض.

•حماية مجتمعية للمتحرش

تقول (أم لجين): قبل ثلاث سنوات بدأت لجين تشتكي من أبيها وتقول بأنه يزعجها عند النوم, وتحدثت معه وبرر أنه بسبب حبه لابنته يشتاق لها كثيرا حتى عند النوم.

عندها لم أهتم بالأمر، ومع الأيام ازدادت شكوى (لجين) و(سوسن) ذات الـ(7) أعوام وفحوى شكواهما التحرش من فوق ملابسهما.

تكمل ام لجين: ذات ليلة رمضانية طلب مني زوجي أن أنام وهو من سيجهز السحور. سررت كثيرا ونمت. لكن قلبي لم يكن مطمئنا، نهضت فجأة لأصطدم بمشهد زوجي وهو يحتضن لجين ويقوم بحركات جنسية. لكنه أقسم بالقرآن أنني فهمت الموضوع بشكل مختلف. صدقته لكني لم أنس الموضوع وحرصت أكثر.

تتابع: قبل عام كنت في العمل وعند وصولي اشتكت لجين وأختها من ابيهما مجددا بأنه يقوم بحركات مخلة بالأدب، وحين ناقشته قام بضربهما ضربا مبرحا لم أستطيع أن ادافع عنهن واخذ السكين وهددهما بالذبح.

•حماية غير كافية لضحية

مع تزايد انتشار ظاهرة التحرش بالمحارم، إلا أن المجتمع اليمني يحمي المجرم ويقصر في حماية الضحية، الأمر الذي يجبر الفتيات على الاحتفاظ بأسرارهن لأنفسهن في بلد اللا قانون.

تقول أم لجين: بسبب ضعفي وعدم قدرتي بأن أحميهن، فقدتا الثقة بي ولم تعودا تبلغانني بأي شكوى. ظننت أن الموضوع انتهى، وكنت أسأل البنتين كل فترة هل مازال أبوكما يقوم بحركات مخلة لكن كانتا تنفيان ذلك.

وبصوت مصحوب ببكاء، تقول أم لجين ذات يوم وأنا في بيت أبي رفضت لجين وسوسن العودة للأب وحكيتا ما كانتا متحفظتين عليه خوفا من أبيهما، حيث تعرضتا لتحرش سطحي. الأمر كان غير متوقع.

واجهت أسرتي التي كانت ترفض ان أقدم شكوى، حرصا على سمعة البنات. بعد أن أبلغت عن الحادثة كشف التقرير الطبي أن لجين قد فقدت بكارتها منذ مدة، فيما سوسن بكارتها غير مكتملة، ورغم احتجاز الوالد إلا أن أخوة زوجي يتهموني بشرفي وعرضي دفاعا عن المجرم.

توضح عتاب العمودي، محامية في محافظة حضرموت: موضوع تحرش المحارم أو اغتصاب المحارم أقسى ما تتعرض له النساء فلا يستطعن البوح به أو الإبلاغ عنه إلا في حالات نادرة جداً. وهذا يعني أن هناك عددا أكبر من المبلغ عنها.

وتضيف العمودي: يعد التحرش بالمحارم عنفا غير معترف به ومسكوتا عنه، لأن من يقدم على ذلك الجرم هو أحد أفراد الأسرة قد يكون الأب أو الأخ أو العم، وعدم وجود نص قانوني يجرم ويعاقب المجرم فإن ضحايا ذلك النوع من العنف في ازدياد. ويزيد من قسوة الموضوع أن يتم إجبار المجني عليها بالزواج من الجاني (المجرم) إذا كان أحد الأقارب. أما إذا كان الأب أو العم أو الأخ فتجبر الضحية على السكوت وترضى بالواقع.

•الشبو يضاعف بلاغات التحرش

أجبرت الفتاة (س) ذات 19 عاماً من محافظة حضرموت، على التنازل وتغيير كافة أقوالها ضد المتحرش بها وهو أبوها. وزوجت على وجه السرعة بشاب اختاروه للتستر على الجريمة.

تقول علياء الحامد، رئيس اتحاد نساء اليمن في حضرموت، لـ”يمن فيوتشر”: مع الانفلات الأمني الذي تشهده البلاد وانتشار مادة الشبو، ازداد عدد الحالات التي تشكو الاغتصاب أو التحرش من المحارم في حضرموت، ونادرا ما تصل تلك القضية إلى المحاكم لأن المجتمع يجبر الضحايا على الصمت، حفاظا على ما يسمى شرف العائلة. ومع إنكار الجاني يصعب علينا إثبات الواقعة، بالإضافة إلى ضعف الأدلة الجنائية بحضرموت، ويتم إجبار الفتاة على الصمت دائما، بحجة حماية الفتاة من تشويه سمعتها وسمعة الأسرة.

•انعكاسات نفسية واجتماعية

ينعكس الصمت تجاه التحرش بالمحارم سلبا على المجتمع والضحايا ويعد الخطر الأبرز حدوث حالات حمل، تنتهي إما بولادة أطفال غير شرعيين، أو بقتل الأم الحامل تحت مسمى جريمة الشرف، أو اتجاه الضحية إلى أعمال الدعارة والبغاء.

هناء (24 عاما) من محافظة تعز تسكن في منزل عمتها في فترة دراستها. تقول هناء: ذات صباح صحوت باكرا وطلب مني عمي ذو الـ(78) عاما أن يحادثني بموضوع مهم. قام بإغلاق باب المجلس المنفصل عن باقي مكونات الشقة. لم يخطر ببالي ما كان ينوي القيام به.

تسقط دمعة من عين هناء قائلة: وقف قدامي واحتضنني وأنا مصدومة. وشعرت ببرودة كالثلج. تفوه بأقذع الكلام مبررا ذلك بالحب وبدأ بتقبيل شفتي. شعرت بدوران وصداع.

وتكمل هناء: كنت أحاول الخلاص منه وهو يميل بجسمه ويضمني غصاب ارتميت على الأرض. كان يحاول أن ينزع ملابسي وأنا أصده وأسب. لم أستطيع أن أصرخ خوفا أن تسمع عمتي، حتى لا تفهم بشكل خطأ ولأني أعلم مسبقا بأنه لا أحد سيصدقني. من سيصدق أن رجلا عجوزا بعمر جدي حاول يتحرش بي؟!

وتختم حديثها: بعد أن دفعته عني بقوة جريت إلى غرفة بنت عمتي وأيقظتها من منامها، وبكيت بلا شعور كانت تهدئني. وبعد أن وعدتني أن تكتم عني حكيت لها ما جرى. افترضت ابنة عمتي أن أباها شارب خمرا لأنها أيضا قد تعرضت لتحرش منه أيام كان يسكر، وأنه حتى كان يتحرش ببناته عندما يسكر. لكن الآن لم يعد يشرب. وبكل بساطة حينما رآني مع ابنته تساءل: هل جئتِ؟ كأن شيئا لم يحدث. وظل هذا السر طي الكتمان لم أبح به لأحد. واليوم أعاني من اكتئاب حاد.

تؤكد عتاب العمودي أن عواقب الصمت على الحالة نفسها قد تؤدي إلى الانتحار وأمراض نفسية وتفكك الأسرة التي تعد لبنة المجتمع، بالتالي ينعدم الاستقرار والأمان.

•تستر المجتمع وثقافة العيب

في دراسة أجريت على مستوى الوطن العربي وجد أن 10% فقط من حالات التحرش بالمحارم هي التي يبلغ عنها رسميا. وإذا كانت الأرقام ترجح أن حالات التحرش في ازدياد، فإن جميع الخبراء الذي شاركوا في هذا التقرير ينفون أن النسبة العربية لا تنطبق على المجتمع اليمني.

تقول فاطمة المريسي، رئيس اتحاد نساء اليمن فرع عدن: تصل حالات تشكو بأن المحارم يعتدون عليهن. وبكل سرية نحاول معالجة الموضوع أسريا، وبعيدا عن آية مخاطر قد تتعرض لها الحالة؛ حرصا منا بالا يأخذ هذا الموضوع مسار ضرر على الضحية.

وتوضح المريسي: نرى أن يسير حل مثل هذه القضايا عبر الأطر القانونية لإرساء اجراءات ضبطية وتأديبية حتى لا تتفشى أكثر. هناك ضوابط وإجراءات. لكن أيضا هناك قيود في كيفية اثبات الجريمة أو نكرانها. وبالتالي يعد التستر من قبل المجتمع وثقافة العيب أكبر الجرائم في حق الضحية.

•معالجات لأسباب عدم الأفصاح بالتحرش

تنبذ الضحية اجتماعيا، بحيث لا تستطيع الزواج ولا تكوين أسرة مستقرة، فضلا عن الأمراض النفسية التي تصيبها من الاكتئاب والصدمة والانطواء. وفي أوقات كثيرة تلجأ الضحية للانتحار لإنهاء حياتها التي أنهاها مسبقا الشخص الذي اغتصبها، ومن المعروف أن التوافق بين الجريمة والعقاب من أهم مبادئ التي يلتزم بها واضع النص القانوني، فأين التوافق بين جريمة الاغتصاب وعقوبة الحبس؟

تلخص أميرة الشميري ماجستير (قانون خاص) أسباب عدم الإفصاح بالتحرش في النقاط التالية:

1ـ ضعف النص القانوني وعدم فاعليته في تحقيق العدالة القانونية والاجتماعية، فقانون العقوبات اليمني جعل من الحبس عقوبة لجريمة الاغتصاب،  وإذا وصلت الجريمة إلى الاغتصاب يقضي المجرم سنوات الحبس الثلاث، وبعدها يمارس حياته بشكل طبيعي. ولمعالجة هذه النقطة يجب تشديد العقوبة وتغليظها من حبس إلى الإعدام إذا وصل التحرش بالمحارم إلى الاغتصاب.

2-ثقافة الخزي والعار والخلط بين موقف الجاني والضحية، ولمعالجة هذه الجزئية يجب توعية الأسر بأن تتوقف بأن ترسخ في الأطفال أن الفتيات مصدر للخزي والعار أو أنهن سبب لتلطيخ الشرف في المجتمع، وأن يغرسوا في الفتيات الشجاعة لإخبار أهاليهن بما طالهن من أذى.

3ـ عدم الثقة بالجهات الأمنية والقضائية التي من المفترض أن تنصف الضحية، ويخاف الضحية التبليغ خوفا من التشهير، ولمعالجة ذلك ينبغي إعادة النظر في كيفية التعامل مع هذا النوع من الجرائم، وعلى الدولة أن تشجع على التبليغ لدى الجهات الأمنية وأن تجعل آلية التبليغ سهلة الوصول وذات درجة عالية من الكتمان والسرية.

4-تنفيذ الأنشطة التوعوية في المدارس والجامعات عن آثار هذه الجريمة، وتعزيز دور الخطاب الديني لدى خطباء المساجد سيكون له تأثير كبير في نبذها سلوكيا.

5-تفعيل الدور الرقابي على رجال القانون ورصد الانتهاكات المرتكبة من قبلهم ومحاسبتهم قانونا سيضمن نزاهة الأداء الأمني لدى الجهات الأمنية.

وتختتم الشميري حديثها ليمن فيوتشر : اذا شددت العقوبة وشجعنا الفتيات للبوح  سيتقلص  عدد الضحايا وسيفكر  المتحرش بالعقوبة والردع الكافي  وسيتوقف على هذه الممارسات الشاذة .

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية