النساء الريفيات في اليمن| الريادة في الحرف اليدوية والمشاريع الصغيرة
تلعب النساء الريفيات في اليمن دورًا محوريًا في تطوير المجتمعات المحلية، سواء من خلال تمسكهن بالتقاليد أو من خلال سعيهن للابتكار وتحقيق الاستقلال المالي. في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يواجهها اليمن بشكل عام، استطاعت العديد من النساء الريفيات أن يصبحن رائدات في مجال الحرف اليدوية والمشاريع الصغيرة، مبدعات في الحفاظ على التراث من جهة، وفي تقديم منتجات مبتكرة تلبي احتياجات السوق المحلي من جهة أخرى. هذا الحراك ليس مجرد استجابة لتحديات الحياة اليومية، بل هو أيضًا تعبير عن قوة إرادة المرأة الريفية وقدرتها على تحويل ما يبدو مستحيلاً إلى واقع ملموس.
النساء الريفيات بين التقليد والابتكار
تعد الحرف اليدوية من أبرز مجالات العمل التي تميز النساء الريفيات في اليمن، حيث تعمل العديد منهن في صناعة السجاد، النسيج، الفخار، والخزف، فضلاً عن الأعمال الخشبية والمطرزات اليدوية. تتمثل إحدى السمات البارزة في هذه الحرف في الجمع بين التقليد والابتكار، حيث تمزج النساء بين المهارات اليدوية التقليدية التي توارثنها عبر الأجيال وبين أساليب وتقنيات جديدة تواكب احتياجات السوق الحديثة.
تقول فاطمة عبد الله، مبدعة في صناعة السجاد اليدوي من محافظة تعز: “نحن نستخدم الخيوط التقليدية التي توارثناها عن أمهاتنا، لكننا بدأنا نطور التصميمات ليتناسب مع أذواق الزبائن العصريين. الفن في الحرف اليدوية هو وسيلة للبقاء على قيد الحياة، لكنه أيضًا وسيلة للحفاظ على تراثنا.” إن قدرة النساء الريفيات على دمج الإبداع مع الحرف التقليدية أصبحت مصدر فخر لمجتمعاتهن، مما يعكس الهوية الثقافية العميقة لليمن.
مشاريع صغيرة تساهم في تعزيز الاقتصاد المحلي
بجانب الحرف اليدوية، دخلت النساء الريفيات أيضًا مجال المشاريع الصغيرة كإنتاج المواد الغذائية المحلية مثل المربيات، العسل، الأجبان، والمنتجات الزراعية المختلفة، التي تجد طريقها إلى الأسواق المحلية بل وتصل إلى بعض الأسواق الإقليمية. إن هذه المشاريع الصغيرة لم تقتصر على تحسين الوضع الاقتصادي للنساء فحسب، بل أسهمت في توفير فرص عمل لأسرهن والمجتمعات المحلية بشكل عام.
على سبيل المثال، تعتبر سيدة مثل شيماء أحمد (35 عامًا) من محافظة شبوة نموذجًا للمرأة الريفية التي دخلت عالم المشاريع الصغيرة. شيماء بدأت في إنتاج المربيات الطبيعية من الفواكه المحلية، التي سرعان ما أصبحت تحظى بشعبية في الأسواق المحلية. تقول شيماء: “بدأت بمبلغ بسيط، لكنني الآن أتمكن من توفير دخل ثابت لعائلتي، وهذا منحني الاستقلال المالي وأتاح لي فرصة مساعدة النساء في قريتي.”
هذه المشاريع الصغيرة ليست مجرد مصدر دخل لأصحابها، بل تساهم بشكل فعّال في دعم الاقتصاد المحلي، حيث تساهم النساء في تحسين سبل العيش عبر استثمار المهارات والخبرات التي يمتلكنها.
التحديات والصعوبات التي تواجهها النساء الريفيات
على الرغم من النجاحات التي حققتها النساء الريفيات في مجال الحرف اليدوية والمشاريع الصغيرة، إلا أنهن يواجهن العديد من التحديات. أبرز هذه التحديات يتمثل في قلة الدعم المالي والتقني، وصعوبة الوصول إلى الأسواق بسبب البنية التحتية الضعيفة في المناطق الريفية. كما أن غياب بعض الخدمات الأساسية مثل الكهرباء أو الإنترنت يعوق العديد من النساء من تسويق منتجاتهن عبر منصات التجارة الإلكترونية.
تقول أمينة علي (40 عامًا)، إحدى النساء الريفيات في منطقة حضرموت: “أحيانا نواجه صعوبة في بيع منتجاتنا، لأن الوصول إلى الأسواق ليس بالأمر السهل. نحتاج إلى دعم أكبر لتطوير مهاراتنا التسويقية، والتعرف على طرق جديدة لبيع منتجاتنا.”
إضافة إلى ذلك، تواجه النساء الريفيات صعوبة في الحصول على التمويل اللازم لتوسيع مشاريعهن بسبب قلة المؤسسات التي تقدم القروض الميسرة أو التدريب المهني في المجالات التي تهمهن.
أثر المشاريع الصغيرة على المجتمع المحلي
على الرغم من التحديات، فإن المشاريع الصغيرة التي تملكها النساء الريفيات تساهم بشكل ملحوظ في تحسين الأوضاع الاقتصادية في القرى والمناطق الريفية. تلك المشاريع الصغيرة تساهم في خلق فرص عمل إضافية، كما تساعد في تحسين مستوى المعيشة للعديد من الأسر. النساء اللواتي يمتلكن مشاريع صغيرة غالبًا ما يكون لهن دور في توظيف النساء الأخريات في المجتمعات الريفية، مما يساهم في رفع نسبة التوظيف بين النساء في هذه المناطق.
أضف إلى ذلك أن المشاريع التي تعتمد على الحرف اليدوية والمشاريع الغذائية المحلية تساعد في دعم الهوية الثقافية للمجتمع، حيث تحافظ النساء على تقاليد المنطقة وتعيد تقديمها للأجيال الجديدة بطريقة مبتكرة.
الدور المستقبلي للنساء الريفيات في تعزيز الاقتصاد المحلي
تستمر النساء الريفيات في اليمن في تحدي الظروف الصعبة والمضي قدمًا في تطوير مهاراتهن وإطلاق مشاريعهن الصغيرة. مع التزايد المستمر للطلب على المنتجات المحلية واليدوية، من المتوقع أن يزداد دور المرأة الريفية في الاقتصاد المحلي خلال السنوات القادمة. ومن خلال زيادة الدعم الحكومي والمؤسسات غير الحكومية، يمكن تمكين النساء الريفيات من التوسع في مشاريعهن وتوسيع نطاق إنتاجهن، مما يساهم في تحسين الوضع الاقتصادي في المناطق الريفية.
تعد النساء الريفيات في اليمن قوة اقتصادية واجتماعية لا يستهان بها. من خلال الحرف اليدوية والمشاريع الصغيرة، استطاعت هؤلاء النساء ليس فقط تحسين ظروفهن المعيشية، بل أيضًا الإسهام بشكل فعال في تعزيز الاقتصاد المحلي والحفاظ على التراث الثقافي. ورغم التحديات التي يواجهنها، إلا أن عزيمتهن وإصرارهن على النجاح يعكسان قدرة المرأة اليمنية على التكيف والابتكار في أي ظرف.