مواد غرفة أخبار الجندر

06
فبراير

طبيبات مأرب طموح يتحدى قيود المجتمع

 أحمد سارية

في وسط صحراء الربع الخالي اللا متناهية تقع محافظة مأرب، المحافظة التي لم يصل إليها تطور تعليمي كافٍ، من بناء المدارس والجامعات والمعاهد العلمية والفنية، نتيجة لظروف متعددة، أبرزها سيطرة الفكر القبلي والديني على المحافظة، والذي ليس من السهولة كسره. ونتيجة لهذا الوضع، أجبرت والآباء المحافظين، على عدم إرسال بناتهم إلى الجامعات خارج المحافظة، ما نتج عنه أمية كثير من الفتيات وعدم تلقّ الكثير منهن تعليما كافيا، ما أدى إلى عدم توفر المعلمات والممرضات والطبيبات، لاسيما مع تزايد نسبة الأمية وتفشي الأمراض في المحافظة الصحراوية.

 طموح يتجاوز العادات والمرض
لكن ورغم هذا الوضع المحكوم بالعادات والتقاليد الاجتماعية المشار إليها، وشحة الطبيبات، لاسيما المتخصصات في الجراحة، في مأرب، نجح الكثير من الفتيات في تجاوز ذلك الجدار الاجتماعي الكبير.
لميس علي سارية واحدة من أولئك الفتيات القلائل. لقد حددت لنفسها هدفا كبيرا، أن تكون طبيبة متخصصة في الجراحة. آمنت بهذا الهدف وسعت لتحقيقه دون الالتفات للمعوقات الاجتماعية التي تقف في طريقها. 
تقول لميس: “صحيح أن محافظة مأرب تحكمها العادات والتقاليد التي جرت أحياناً على عدم الاهتمام بتعليم الفتاة وعدم إتاحة الفرصة للمرأة لتخوض المجال العلمي، ولكن بفضل الله كان ذلك غير موجود في أسرتي، وتحديدا والدي ووالدتي، اللذين بذلا ما بوسعهما لتحقيق الهدف الكبير، ليس لي فقط وإنما لشقيقاتي وأشقائي، لمواصلة التعليم، وحتى نكون أربع طبيبات مأربيات في منزل واحد بتخصصات مختلفة، وهو ما يندر أن يجتمع في بيت مأربي واحد كما اجتمع في بيتنا”.
يعلن المجلس الطبي وزمالة البورد العربي من وقت لآخر عن اسماء الطبيبات الحاصلات على منحة مزاولة المهنة في مهن متخصصة، من بينها الجراحة. وخلال العام الماضي ومنذ بداية هذا العام تكرر اسم لميس في كثير إعلانات المجلس الطبي الأعلى والبورد اليمني والعربي، رغم ظروف معيقة كثيرة مرت بها. أصعب تلك العراقيل هو إصابتها بالسرطان في  العام 2023؛ لكن ذلك لم يكن كافيا ليقتل طموحها وإرادتها، فقد حصلت في  العام نفسه على زمالة البورد اليمني في الجراحة العامة، ثم البورد العربي، ثم رخصة مزاولة المهنة في الجراحة العامة، في الوقت الذي كانت تتلقى فيه العلاج.
تقول لميس إنها استقبلت المرض بصدر رحب وبكل الرضى بقدر الله وابتلائه. “كان إيماني عميقا بأن الابتلاءات مهما كانت هي منح من الله، وأن الموت والحياة والشفاء والتوفيق بيد الله، فأنا سلمت الأمر لله، وشعرت بمحبة الله لي أن اختارني للابتلاء”.
تضيف أنها “كانت رحلة جميلة شعرت فيها بمحبة ورحمة كل من حولي، وعجزت وما زلت عاجزة عن التعبير عن شكري وامتناني لكل من حرصوا على الوقوف بجانبي بكل الوسائل، وأقلها الكلمة الطيبة والدعوة في ظهر الغيب”.
مع مطلع العام 2024 حصلت لميس على زمالة البورد العربي في الجراحة العامة، إضافة على ثمانية أطباء آخرين من مختلف الدول العربية، لتكون بذلك من أوائل طبيبات مأرب التي تتخصص في هذا المجال. وخلال سنوات مضت أجرت لميس وشاركت في العديد من العمليات الجراحية المتنوعة، سواءً بالفتح أو المنظار، لتحقق رقما عاليا بين أقرانها من الأطباء والطبيبات المتخصصات في الجراحة العامة.

 سكان أكثر.. احتياج لأطباء أكثر
في العام 2007 أنشئت كلية التربية في مأرب ككلية تابعة لجامعة صنعاء، حتى العام 2016 حين أنشئت جامعة إقليم سبأ مع تزايد السكان في المدينة التي استقبلت أكثر من مليوني نازح من مختلف المحافظات اليمنية التي شهدت نزاعا مسلحا، ما تطلب إنشاء جامعة بمختلف التخصصات في المدينة. ومع وصول كليات الجامعة إلى أكثر من 10 كليات، كانت هناك حاجة حقيقية لوجود كلية الطب في الجامعة، والتي افتتحت في أغسطس 2020 لتلبية احتياجات المجتمع المضيف والضيف في المحافظة، مع وجود أربعة مستشفيات رئيسية في المحافظة.
د.  عبدالله محمد الرملي منيف، مدير مكتب الصحة بمديرية مأرب المدينة، يقول إن قلة الطبيبات في مأرب سببها قلة خريجات الطب من محافظة مأرب، ما يستدعي العمل مع خريجات الطب من المجتمع المقيم أو النازحين، واللاتي لا يزال عددهن قليلا.
ويضيف الرملي أن  الفرصة  في مأرب أصبحت متاحة لإنشاء كلية طب، والتحاق النساء بالدراسة فيها، وأنها تحتاج فقط إلى قليل من التثقيف والتوعية لدى الآباء والعائلات عن أهمية الطب بالنسبة للفتيات، وذلك من خلال التحاقهن بكلية الطب في جامعة إقليم سبأ بمأرب،  حيث أصبح الوصول أسهل من  ذي قبل، خاصة للطالبات المتفوقات في الثانوية العامة من فتيات المحافظة، وقد شهدت كلية الطب إقبالا كبيرا من قبل الطالبات أثناء والتسجيل للمفاضلة.
ومع تزايد عدد الهيئات الطبية في المحافظة لا يزال عدد الطبيبات المأربيات محدودا جدا، حيث لا يوجد من يدفعهن ويشجعهن على الالتحاق بكلية الطب هناك.
يقول محمد دويح، مسؤول علاقات هيئة مستشفى مأرب، إن هناك من يستهين بقدرات المرأة المأربية، وأن  “هذه بدوية، ما تعرف إلا رعي الأغنام”!
ويضيف أن حرمان فتيات المحافظة من المنح الدراسية في مأرب أثر على التحاقهن بكليات مثل الطب، واقتصر التحاقهن على الكليات النظرية التي لا تخدم احتياجات المحافظة.
وفي حين تواجه فتيات مأرب تعقيدات كثيرة لدراسة الطب وأن يصبحن طبيبات في إطار مجتمع محافظ وقبلي، وينظر إلى التحاق الفتاة بمهنة الطب باعتباره أمرا معقدا، لا تزال هناك عشرات الفتيات اللواتي قررن ان يخترقن تلك المعوقات ويحاربن التعقيدات العام والشخصية، كما خاضت لميس تلك الحرب، ليس مع المجتمع فقط، بل ومع نفسها ومرضها، لتكون جرّاحة ماهرة تقتدي بها الكثير من الفتيات اللواتي يفكرن في التعقيدات والتحديات ويستسلمن قبل البداية.

تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع غرفة أخبار الجندر اليمنية، الذي تنفذه مؤسسة ميديا للإعلام والتنمية

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية