رضية إحسان الله: أيقونة النضال النسوي في عدن
على مر العصور، لعبت النساء دورًا محوريًا في النضال ضد الاستعمار، حيث انخرطت في المقاومة بكل أشكالها، من المظاهرات السلمية إلى المشاركة في الحركات المسلحة. كافحت النساء من أجل حقوقهن في الاستقلال والمساواة، متحدين القيود الاجتماعية والسياسية لتكون لهن بصمة تاريخية في حركات التحرر الوطني، ومن بين تلكم النساء، تبرز رضية إحسان الله بوصفها أيقونة النضال النسوي ضد المستعمر البريطاني في عدن.
نشأت رضية إحسان الله في مستعمرة عدن حيث تلقت تعليمها الابتدائي والإعدادي، وفي مرحلة لاحقة، توجهت إلى سوريا لدراسة المرحلة الثانوية. لم تتوقف طموحاتها عند هذا الحد، بل انتقلت إلى العراق حيث حصلت على شهادة البكالوريوس في القانون من جامعة بغداد. ثم اختارت أن تواصل مسيرتها العلمية في باكستان، حيث حصلت على الماجستير في العلوم الإسلامية، تلتها درجة الماجستير في الأدب العربي من جامعة البنجاب. تلك الخلفية الأكاديمية المتنوعة والمتميزة جعلتها تملك أدوات فكرية مكنتها من المشاركة الفاعلة في العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية.
هذا على الصعيد الأكاديمي، أما على الصعيد النضالي فقد بدأت رضية نضالها السياسي في الخمسينات من القرن الماضي، عندما انضمت إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان يطمح للتحرر من الاستعمار البريطاني. في تلك الفترة، كانت عدن تشهد صراعًا بين القوى الوطنية والشعبية من جهة، والاستعمار البريطاني الذي كان يحاول فرض سيطرته على المنطقة من جهة أخرى. وكان للمرأة العدنية دور بارز في هذا الصراع، حيث نزلت العديد من النساء في المظاهرات والاحتجاجات مطالبات بحقوقهن في التعليم والعمل والمشاركة السياسية.
وكانت رضية واحدة من النساء اللواتي شاركن في المظاهرات النسائية المنددة بالاستعمار البريطاني، حيث كانت تطالب بحق المرأة في “السفور” وإظهار هويتها، وهو أمر كان يُعد في ذلك الوقت تحديًا اجتماعيًا وسياسيًا كبيرًا. لم تقتصر مشاركتها على المظاهرات السلمية، بل تجاوزت ذلك إلى الانضمام إلى صفوف جبهة التحرير، التي كانت ترفع شعار النضال المسلح ضد الاستعمار البريطاني.
تأسست جبهة التحرير عام 1966م، ورضية كانت من الأعضاء البارزين فيها. ناضلت في صفوف الجبهة ضد الاستعمار البريطاني بكل ما أوتيت من قوة، وشاركت في الأعمال العسكرية والمظاهرات الشعبية التي كانت تدعو إلى الاستقلال والتحرر. في عام 1967م، خلال مرحلة احتدام المعركة ضد الاستعمار، تم اعتقالها من قبل القوات البريطانية وحوكمت مرتين، حيث قضت في السجن شهرين بعد إضرابها عن الطعام احتجاجًا على اعتقالها. ومع تدهور صحتها، تم الإفراج عنها، لكنها لم تتوقف عن نضالها، بل واصلت حمل الراية ضد الاستعمار.
كانت رضية أحد الأعضاء البارزين في المظاهرات النسائية التي طالبت بالاستقلال، وقد تطوعت للعمل على تعبئة النساء للمشاركة في المعركة الوطنية. وشاركت مع العاملين والعمال في مظاهراتهم المطالبة بحقوقهم، مما جعلها واحدة من الأيقونات النسائية التي سطر التاريخ اسمها في سجل النضال الوطني.
في سياق نضالها الوطني، كان لرضية إحسان الله دورٌ محوري في الحركة النسوية العدنية. فإلى جانب انخراطها في جبهة التحرير، كانت رضية تهتم بشكل خاص بقضايا المرأة، حيث تولت مناصب قيادية في العمل النسوي. في عام 1960م، تم انتخابها أمينة عامة لجمعية المرأة العربية في عدن، وهو الدور الذي منحها منصة لمناصرة حقوق المرأة في المجتمع العدني. كما كانت مسؤولة عن التوعية النسائية في جبهة التحرير، مما سمح لها بتوسيع دائرة تأثيرها في الحياة السياسية والاجتماعية.
لقد كانت رضية من النساء اللواتي ناضلن من أجل أن تنال المرأة العدنية حقوقها، لا سيما في ما يتعلق بحقوقها السياسية والاجتماعية. فقد سعت إلى تحقيق تغيير حقيقي في حياة المرأة من خلال التعليم والعمل السياسي والاجتماعي. كانت من الأوائل اللواتي طالبن بحق المرأة في المشاركة الفاعلة في المجالات العامة، وخصوصًا في المرحلة التي كان فيها المجتمع التقليدي يفرض قيودًا شديدة على النساء.
بعد إعلان الاستقلال في 1967م، شهدت الساحة السياسية في اليمن صراعًا داخليًا بين الجبهة القومية وجبهة التحرير، مما دفع رضية إلى النزوح عن عدن إلى صنعاء حيث استقرت لفترة. في صنعاء، واصلت نشاطها الثوري، حيث عملت في المكتب القانوني للدولة، وأظهرت مرة أخرى التزامها بقضايا حقوق الإنسان.
كما أسست جمعية الحفاظ على الزي الوطني اليمني، والتي كانت تهدف إلى تعزيز الهوية الثقافية اليمنية وحمايتها من التغيرات الثقافية التي قد تطرأ بفعل التأثيرات الأجنبية. كانت دائمًا تسعى إلى الحفاظ على تراث اليمن وتعليمه للأجيال القادمة.
من خلال مسيرتها النضالية الطويلة والمستمرة، أثبتت رضية إحسان الله أنها لم تكن مجرد امرأة تبحث عن حقوقها، بل كانت مناضلة حقيقية حملت على عاتقها قضايا شعبها وحقوق النساء في اليمن. من خلال مشاركتها في جبهة التحرير، ودورها البارز في الحركة النسوية، تركت رضية إحسان الله إرثًا من النضال والتضحية التي تستحق أن تخلد في الذاكرة الوطنية، فهي رمز من رموز الكفاح من أجل الحرية والعدالة والمساواة.