مواد غرفة أخبار الجندر

24
نوفمبر

المهاجل: غناء جميل تفردت به المرأة اليمنية في الريف

 جهاد علي

لطالما كانت المرأة الصوت الذي يعبر عن الواقع تعبيرًا دقيقًا، إنها النصف الآخر المكمل لمسيرة الرجل، واليوم إذ تتجلَّّى لنا المرأة اليمنية من أحد أرياف اليمن، فإننا نراها في قمة البهاء والإشراق، نراها تجوب الحقول الزراعية لا لشيء سوى التعبير عما يختلج في فؤادها بالصوت الشجي واللحن العذب، والموسيقى البديعة، لكأنها تقدم لنا صورةُ بهيةً عن فن المهاجل اليمنية الذي تفردت به المرأة في ريف اليمن، لكن، يبقى السؤال، ما هي المهاجل؟

المهاجل كما يراها الصحفي اليمني بلال فيصل، هي ترنيمة الفلاح اليمني البسيط، وأغنية الحصاد، وأنشودة الصباح والمساء، كم يطيب الحديث عن المهاجل الشعبية في اليمن. ومفردها ”مَهْجَل”، والذي يٌعرّف بأنه لون غنائي من التراث اليمني القديم، أهازيج ترددها النساء وكذلك الرجال خلال العمل في مواسم الزراعة، لعدة أغراض، منها تحفيز المزارعين والعمال وحثهم على بذل المزيد من الجهد، إلى جانب ذلك فهي وسيلة تقليدية للتنفيس عن النفس والتعبير عن المشاعر من حب، وغزل، وعتاب، وحنين، وشوق، وهو ما ستأتي عليه هذه المادة تفصيلاً.

وقد انتقلت المهاجل بأنواعها بين الأجيال عبر التواتر الشفهي، ما يجعلها واحدة من اللا ماديات التراثية الثقافية الشعبية التي يسعى اليمنيون للحفاظ على ديمومتها خوفاً من اندثارها أو نسيانها، في ظل تراجع حضورها مؤخراً في أماكن كثيرة لأسباب ترتبط بشكل عام بتغير أسلوب الحياة .

يرى الأستاذ عبدالله البردّوني أن “فن المهاجل والزوامل والأغاريد، قد شكل أساس شعر العامية من الناحية التفاعيلة ومن حيث اللغة ومن حيث النكهة، وإذا كان الشعر العامي عند المثقفين من (ابن فليتة) إلى (عبدالله هاشم الكبسي) يمتّ إلى بعض البحور الخليلية والموضوعات الموروثة، فإن فن المزارع والشعاب، أشخص ينابيعه وأهم مبررات وجوده؛ لأن فن الأرياف جذَّره وخلق بيئته الاجتماعية، ولم يخرج شعراء العامية على الفصيح، إلا لأن فن الريف قد سبقهم بخلق ملكة الإيقاع وحاسة التقبل” وتدخل هذه “المهاجل” تحت التصنيف اللغوي الثالث للعامية المعاصرة عند الدكتور عبدالعزيز المقالح، وهي عامية القرية.

ولعل أهم ما يميز هذه “المهاجل” أن البيت الواحد يعطي دلالة ذات معنى تامّ يُحْسَن السكوت عليه وتكتمل به المقاصد التي تذهب إليها. وفيما ندر تضطر إلى تجاوز البيت أو البيتين عند الرَّد على غيرها؛ وتحصر هذه “المهاجل” بزمن معين هو زمن “العلّان” الذي لا تتجاوز مدته شهرين من بداية موسمه حتى نهايته، ثم يطويها النسيان وتستعاد في العام الذي يليه. ولكون موسيقى الشعر، بأبحرها الستة عشر، صنيعة الإنسان عفوي الخاطر وليس العكس، فإن “مهاجل” المرأة قد جاءت على أوزانٍ خاصة بها، يسميها الأستاذ عبدالله البردّوني “بحر المهاجل الشعبي”، ويرى أيضًا أن شعر غزال المقدشية، وعلي ناصر القردعي ألصق بشعر “المهاجل” والزوامل لريفيتهما حتى إن بعض أشعار غزال المقدشية من “المهاجل” صالحة لغناء هذا النوع من الأهازيج ، وهذه “المهاجل” تُعد ضربًا من أهازيج العمل وأغانيه ومغارده المختلفة.

لهذا، تبدو المهاجل تراثًا لا ماديًّا عزيز على قلوب اليمنيين، ولعلَّ الآوان قد حان لنحافظ عليه كي لا ينتهي به المطاف إلى النسيان والاندثار، فنضيع بذلك صوت المرأة العاملة المجتهدة في الأرياف، وحسبنا في ذلك من خسارةٍ وضياع!

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية