مواد غرفة أخبار الجندر

27
نوفمبر

أضواء على الدور الثوري لفتيات عدن في مواجهة الاستعمار البريطاني

 شهد باسم

لم تكن المرأة في اليمن إلا درعًا وراية، هي التي تنسج من خيوط الشجاعة معزوفة وطنية تتردد أصداؤها في كل زاوية من زوايا الوطن. في كل معركة، وفي كل خطوة، كانت تُعيد كتابة تاريخها، لتؤكد أن التحرر لا يقتصر على الرجال، بل هو حلم جماعي يضيء بعيون الجميع.

 

واليوم إن نحن نظرنا إلى مسار النضال من أجل التحرر ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن (1839 – 1967)، نجد أن الحركة النسائية اليمنية قد لعبت أدوارًا بطولية متعددة منذ بداية خمسينيات القرن الماضي. فقد أسهمت في نشر الوعي والتغيير بين النساء من خلال الأندية والجمعيات النسوية، وشاركت في تنظيم الإضرابات وقيادة المظاهرات، بالإضافة إلى تواجدها الفعّال في النقابات العمالية والعمل الطلابي. كما انخرطت في خلايا العمل المسلح وشاركت بشكل علني في المعارك ضد الاستعمار وأعوانه، ورغم هذه المساهمات الملحوظة، لم تحظَ هذه الأدوار بالتوثيق والدراسة من قبل المؤرخين والباحثين، مما يعكس الهيمنة الذكورية في الكتابة التاريخية المعاصرة في اليمن.

 

يرى الكاتب اليمني عيبان السامعي، أن الحركة النسائية اليمنية بدأت تتحسس طريقها في نهاية أربعينيات وأوائل خمسينيات القرن العشرين، وكانت البدايات الأولى في حواضن النوادي والجمعيات النسائية والمدارس والكليات التي تقع تحت نظر السلطة الاستعمارية، لكنها أخذت تتطور مع مرور الوقت بفعل تأثيرات المناخ الثوري المتنامي في المنطقة والعالم، حتى أصبحت مستقلة تمامًا بل ومناهضة للاستعمار، وهي بذلك إنما تؤكد قانونية جدلية مفادها: إن الجديد ينشأ ويولد من رحم القديم ويعمل على تجاوزه ونقضه ديالكتيكيًّا!!

 

وطالما أن العمل الثوري يحتاج إلى حذر وأخذ حيطة، كان من الطبيعي أن تتم غالبية الأنشطة في الليل، تفادياً لانكشاف خطط النضال وخلاياه السرية، وهو ما كان يتطلب بقاء المناضلات إلى أوقات متأخرة من الليل خارج المنزل، خلافًا للتقاليد الاجتماعية السائدة، الأمر الذي كان يسبب لهن معاناة مع أسرهن ومع المجتمع، وفي هذا السياق تقول المناضلة فوزية جعفر القيادية في الجبهة القومية (ولاحقًا الحزب الاشتراكي اليمني): “من المواقف التي لا أستطيع أن أنساها، كنت والفقيدة نجوى مكاوي نركب سيارتها ــ التي كانت تتولى هي قيادتها ــ ونقوم بتوزيع منشورات استشهاد الشهيد/ عبود من نوافذ السيارة ونحن نقوم برمي المنشورات فوجئنا بدورية من الجنود الإنجليز تحاصرنا، أمرتني الفقيدة نجوى بإغلاق زجاج النوافذ وتأمين الباب، قمت بما طلبت مني، بعدها اقترب منا جنود الدورية وطلبوا منا النزول من السيارة، رفضنا النزول، ولم يتمكن الجنود من إنزالنا، في تلك اللحظة مرت دبابة بريطانية، طلب الجنود من طاقم الدبابة ربط السيارة وسحبها، وسحبت السيارة ونحن بداخلها إلى شرطة خور مكسر. تم فتح السيارة بالقوة، ومن ثم أُنزلنا إلى معتقل في مقر الشرطة، وبقينا هناك مع بعض الحراسة حتى المساء، ثم جاء خبر الإفراج عنا بعد أن كتبنا تعهدًا على أنفسنا بعدم تكرار هذه العملية، وتم الإفراج عنا”.

 

كذلك، كان للمرأة بصمات مميزة في العمل النقابي، ومن بين المناضلات التي لمع نجمهنّ في هذا المضمار: ثريا منقوش، وعائدة سعيد، وفوزية محمد جعفر، وشفيقة مرشد، وفطوم علي أحمد، وأنيسة سالم، وآمنة عثمان ورجاء أحمد سعيد، وغيرهن. تقول المناضلة عائدة سعيد: “أذكر أنه في يوم الأربعاء 30 يناير 1962، في كلية البنات بخور مكسر رفضنا دخول صفوفنا الدراسية، واعتصمنا في فناء الكلية، وطلبنا من الإدارة الاستجابة إلى مطالبنا، وهي: المساواة في تعليم الصفوف، وقد قدمت شكوى إلى مدير المعارف، الذي كان يومها السيد محمد عبده غانم ضد عميدة الكلية، وهي بريطانية الجنسية، ومن ضمن الشكاوى إرسال هندوسية للدراسة في بريطانيا على حساب البلد، في حين حرمت طالبتان عربيتان فازتا في الامتحان وكان لهما الحق في هاتين المنحتين، وقد قام طلاب في كلية الشيخ عثمان بالوقوف معنا، ومشاركتنا إضرابنا من خلال الامتناع عن تناول وجبات الغذاء، وكانت هذه الحادثة هي فاتحة الثورة الطلابية من مسيرات وإضرابات ومنشورات… إلخ، ومن ثَمّ دخلت الحركة الطلابية في خدمة الكفاح المسلح والعمل على طرد المستعمرين”

 

والحق، لقد تعرضت النساء لأنواع شتى من أساليب الإرهاب والتعذيب النفسي والجسدي، حيث كانت منازلهن تتعرض للمداهمة والتفتيش، كما استشهد بعضهن برصاص قوات الاحتلال، مثل: لطيفة علي شوذري، التي استشهدت برصاص قناص بريطاني، وهي في مقدمة مظاهرة سلمية معظمها من النساء، لكن كل هذه المخاوف والتهديدات لم تكن لتمنع المرأة من المشاركة في النضال الثوري؛ أملًا في تحرير الوطن من قبضة المستعمر، وهو ما تم بعد ذلك.

 

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية