مواد غرفة أخبار الجندر

22
نوفمبر

أسمهان العلس: رائدة دراسات المرأة في عدن

 عمر أحمد

أسمهان العلس: رائدة دراسات المرأة في عدن

لطالما كانت مدينة عدن ثغرًا باسمًا لليمن، وقلبًا نابضًا بالحياة، ربما كان هذا سر تميزها، فمن عاش في عدن، لا يطول به المقام حتى يكتسب بعضًا من تميزها، تماماً كما هي الحال مع الدكتورة أسمهان العلس التي سطعت في سماء العلم والبحث الأكاديمي، بل وتجاوزت حدود المعرفة لتسهم بشكل فعّال في قضايا المرأة والموروث الثقافي لبلادها.

وأسمهان العلس هي أستاذة التاريخ الحديث والمعاصر في كلية الآداب بجامعة عدن، والحائزة على درجة الدكتوراة من معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة، مشهود لها بالقدرة الفائقة على البحث العلمي، حيث قدمت العديد من الدراسات والكتب التي أثرت المكتبة العربية في مجالات متعددة، بدءًا من التاريخ وصولاً إلى قضايا المرأة.

في مسيرتها العلمية، انطلقت العلس من خلال إشرافها على العديد من الرسائل الجامعية التي تنبض بالأبحاث الدقيقة والمعرفة العميقة. نشرها لخمسة كتب علمية في مجالات التاريخ ودراسات المرأة على نحوٍ يؤكد شغفها ببحث القضايا الكبرى التي تتعلق بوضع المرأة في المجتمع اليمني والعالم العربي. إضافة إلى أوراق العمل التي كتبتها حول الثقافة والحكم الرشيد وبناء القدرات، فقد كانت عضوًا نشطًا في العديد من المنظمات الأكاديمية والمهنية، ممثلةً لجامعة عدن في منظمة المؤرخين العرب في بغداد ومجلس البحث العلمي العربي.

لكن ما يميز أسمهان العلس ليس فقط إسهاماتها الأكاديمية، بل أيضًا دورها الريادي في تمكين المرأة. كان لها السبق في تأسيس “وحدة دراسات المرأة” في جامعة عدن، التي تحولت لاحقًا إلى “مركز المرأة للتدريب والدراسات”. في هذا المركز، عملت على تزويد النساء بالمعرفة والمهارات اللازمة لتحسين وضعهن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. كما أسست منظمة لدعم المرأة في انتخابات الحكم المحلي، ما عزز من مشاركتها السياسية وحقوقها المدنية في المجتمع.

لم تتوقف أسمهان عند هذه الحدود، بل واصلت توظيف قدراتها الأكاديمية والعلمية في توثيق قضايا المرأة، وتسليط الضوء على التحديات التي تواجهها. وبتأسيسها للمشاريع والمبادرات التي تهدف إلى دعم مشاركة النساء في الحياة السياسية، ساهمت في فتح قنوات حوار مع الأحزاب السياسية، ما ساعد على تحقيق تقدم ملحوظ في مجال حقوق المرأة.

إلى جانب دورها الرائد في قضايا المرأة، كانت أسمهان العلس مدافعة شرسة عن الحفاظ على الموروث الثقافي لمدينة عدن القديمة. في عام 2005، تولت منصب الأمين العام للجمعية اليمنية للتاريخ والآثار في عدن، حيث كانت المنارة التي دعت إلى ضرورة الحفاظ على معالم المدينة التاريخية، محذرة من العبث بها أو تشويه هويتها المعمارية. هذه الدعوة لم تكن فقط محلية، بل امتدت لتشمل المنابر الإقليمية والدولية، حيث سعت جاهدة إلى إيقاف ما وصفته بالعبث بمكونات التراث الثقافي للمدينة، وركزت على أهمية الحفاظ على المدينة القديمة كما هي، بمنحها صفة “مدينة تاريخية” نظرًا لما تحمله من موروث ثقافي يمتد عبر آلاف السنين.

من أهم أعمال أسمهان العلس كتابها “الموروث الثقافي للمرأة العدنية”، الذي تناول فيه الأدب الشفاهي والعادات والتقاليد المتعلقة بالمرأة في عدن. الكتاب ليس فقط استعراضًا للموروث، بل هو أيضًا دعوة للاعتراف بدور المرأة العدنية في الحفاظ على الثقافة المحلية. من خلال هذا الكتاب، نقلت أسمهان صورة حيّة عن حياة النساء في عدن وأدوات زينتهن وملابسهن، معتبرةً أن هذا التراث جزء لا يتجزأ من هوية المدينة وثرائها الثقافي.         

لقد كانت أسمهان العلس نموذجًا للمرأة العربية التي استطاعت أن تجمع بين العلوم الأكاديمية والنضال الاجتماعي، بين التاريخ والحاضر، بين الفكر والواقع. هي من خلال علمها ونضالها، قدمت للعالم نموذجًا يبرز دور المرأة في تنمية المجتمع، وصيانة التراث الثقافي، والعمل من أجل عالم أكثر عدلاً وسلامًا.

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية