مواد غرفة أخبار الجندر

25
فبراير

اليمن |دموع بين الحرير | الفتيات اللواتي حُرمن العلاج بسبب العادات

 خديجة الجسري

“أنسام” شابة عشرينية، من قرية “الشَّرَف” في الضالع، بعد شهرين من زواجها، وجدت نفسها بين الدموع، على ركام ما تبقى من جسدها المنهار، انقطاع الدورة الشهرية لمدة عامين ونصف دون مراجعة أي طبيب تسبَّب لها بسرطان الرحم والمبايض، ليصبح بقاؤها على الوجود رهن عملية إزالة الرحم والمبايض وجرعات كيماوية.

“يا الله! أنا منهارة من الداخل! الوضع ليس طبيعيّاً! لا أشعر بأنني كائن بشري! لا أستطيع التنفس بشكل طبيعي مثل باقي الناس! كانت أمنيتي الزواج والأطفال! كيف خسرت كل حياتي بهذه السهولة؟! كان المرض يرافقني دائماً؛ لكنني خفت وصمة العار أن أشتكي من آلام الدورة، وأزور طبيبة النساء وأنا بنت، غير متزوجة، لذلك كنت أكتفي بشرب قهوة الزنجبيل والقرفة مع قليل من العسل، لتخفيف ألمي، وهو ما اعتادت الفتيات تناوله في حال آلام الجهاز التناسلي”، تقول أنسام بعد خروجها من أحد مستشفيات العاصمة صنعاء.

عادات قاتلة ضحيتها الفتيات
تعد العادات والتقاليد في المجتمع اليمني من أبرز المعوقات التي تعوق حصول النساء اليمنيات على حقوقهن، في كل نواحي الحياة. ويصل الأمر إلى عدم حصول الفتيات غير المتزوجات على العلاج، في مناطق مختلفة من البلاد، وهو ما يعطي مؤشراً واضحاً إلى كون هذه العادات والتقاليد تؤثر بشكل كبير في مستقبل النساء، وحرمانهن من أبسط الحقوق التي كفلتها القوانين والدساتير في جميع بلدان العالم، ومنها اليمن.
في ترجمة لمستوى وحجم الانتهاكات الواقعة بحق الفتيات (غير المتزوجات) بعدم علاجهن من أمراض الجهاز التناسلي، باسم عادات بالية، تقول “أنسام”: “البنت غير المتزوجة لا تزور طبيبة نسائية”. رصد استبيان حديث أجرته الطبيبة “رباب المقدشي” العاملة بمنظمة الإنقاذ الدولية، في قرى “الحجلة” و”النشمة” والمدور”، بمحافظة الضالع، عشرات الحالات المماثلة.

الدكتورة ريم القهالي، أخصائية نساء، تعمل في أحد المراكز الطبية بعزلة “القفلة” – محافظة عمران، تقول: “إن العادات والتقاليد في منطقة القفلة بمحافظة عمران مجحفة بحق البنات غير المتزوجات، إذ يُمنعن من زيارة الطبيبة إن شعرن بآلام في الجهاز التناسلي”.
وتضيف الدكتورة ريم أن “مرام” (اسم مستعار – 18 عاما) “جاءتني إلى المركز الطبي مرافقة لوالدتها المريضة، واشتكت لي من آلام شديدة أسفل البطن، فسألتها عن موعد الدورة الشهرية عندها، فقالت: أنا لم أعرف الدورة الشهرية بحياتي. فقلت لها إن هذا خطر وتحتاج فحوصات وأجهزة، فطلبت أن أكلم أمها. كلمت أمها فقابلت كلامي برفض قاطع، قائلة: عيب تقولي إنك تفحصي وتعملي أجهزة لبنت ما تزوجت…! حاولت معها، أن هذا خطر على البنت، وقد يسبب لها سرطاناً. ردت بعنف أكبر: تموت ولا تروح لطبيبة نساء تفحصها وتعمل لها أجهزة!”.

ذلك الانتفاخ المريب الظاهر على بطن “وردة” (اسم مستعار)، بحسب طبيبة النساء والولادة د. إلهام مصطفى، التي أجرت لها الفحص في المستشفى، لم يكن سوى تورُّم في الأحشاء الأنثوية، جراء تراكم الدم المتخثر في شكل تكيُّس داخل الرحم، سَبَّبَ لها انتفاخاً مرضيّاً في منطقة الحوض وما يليه من الرحم. يتطلب الأمر تدخلاً جراحياً عاجلاً؛ لكن الأهل رفضوا ذلك وتركوها تصارع الموت أفضل من التدخل الجراحي لبنت عزباء، حسب وصفهم.

صمتٌ عاقبته الهلاك
إن ضحايا العادات والتقاليد التي تحظر على الفتاة المريضة زيارة طبيبة النساء، خشية “العار”، هن في الأرياف. وهذا ما كشفه استبيان سابق أجري في العام 2019 وشمل 75 حالة، في قرى عديدة بمحافظات إب والضالع والبيضاء وصنعاء وأبين.

قالت الدكتورة إلهام الضياني إنها، وبحكم عملها كطبيبة نساء وولادة في عدد من المراكز الطبية خارج صنعاء، واجهت العديد من الحالات الحرجة والشائكة في الوقت نفسه، لفتيات غير متزوجات. البعض لديهن اضطرابات بالدورة الشهرية تؤدي إلى نزيف، والبعض يعانين انقطاع الطمث، والبعض أكياساً دموية… ورغم ذلك يرفض الأهل علاج النزيف، بحجة أنهن عازبات، وأن علاجهن “عيب وعار”، لتتفاقم حالاتهن وتزيد سوءا. يرفضون التفاهم مع الأطباء، ويرفضون أيضاً إجراء عملية جراحية لإزالة الأكياس؛ ظناً منهم أن هذه العمليات تفقد البنت عذريتها. البعض، وفي أحسن الأحوال، يطلب حقنة مهدئة. على كل حال يرفضون أي علاجات أخرى.

“منال” (اسم مستعار، 25 عاماً) من قرية اللبنية بالضالع، مرضت مرضاً شديداً. تم إسعافها إلى إحدى المنظمات العاملة في المنطقة. فحصتها طبيبة النساء، ليتبين أنها تعاني من دم متخثر في الرحم، يستلزم تدخلاً جراحياً فورياً. رفض الأهل هذه العملية. أعيدت “منال” إلى البيت لتسقى قهوة الزنجبيل والقرفة بشكل مفرط.

تشير الدكتورة بريئة الباشا، التي تعمل في قسم النساء والولادة بمستشفى الثورة بصنعاء، إلى أن أبرز المشاكل التي تتعرض لها النساء أسبابها مختلفة؛ لكن أغلب المشاكل التي تؤدي إلى الوفاة أو عدم الإنجاب، أو الالتهابات الشديدة والحادة، هي مشاكل تراكمية تحدث نتيجة للتساهل في إجراء الكشف المبكر للفتاة. الأكياس الدموية في الرحم سببت لـ”منال” نزيفاً شديداً فارقت الحياة على إثره.
إشراق القطري، محامية وناشطة حقوقية، تقول: “هناك عادات وتقاليد للأسف سلبية وتمييزية لا يتوقعها العقل والمنطق، كرست النظرة السلبية تجاه الإناث، منها مسألة السمعة وحرمان الفتيات الشابات من الحصول على الرعاية الصحية”.

وأضافت المقطري: “هناك نظرة قاصرة حول حق الفتيات في العلاج، والقصور الأكبر هو من الدولة، التي يجب أن تنشئ مراكز طبية وتوعوية في الأرياف حول هذه المشكلة الخطيرة التي تواجه أمهات المستقبل، ما يضاعف هذه العادات المنافية والمناهضة لحقوق الإنسان. لذا، ينبغي أن يتم ردعه عبر معاقبة مرتكبيه. ونأمل من المشرع اليمني في حال استقرار البلد أن يضع قوانين صارمة لمواجهة هذا العنف الأسري الخطير”.

(تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع غرفة أخبار الجندر اليمنية الذي تنفذه مؤسسة ميديا للإعلام والتنمية)

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية