مواد غرفة أخبار الجندر

29
فبراير

أمومةٌ مُهددةٌ | التسممُ الحمليّ يُحصدُ أرواحَ النساءِ في تعز

 إلهام سيف

تُعدّ الأمومةُ تجربةً فريدةً تُكلّلُ رحلةَ المرأةِ بالسعادةِ والفرحِ، لكنّها تتحوّلُ في مدينةِ تعزِ اليمنيةِ إلى رحلةٍ محفوفةٍ بالمخاطرِ، خاصّةً معَ انتشارِ ظاهرةِ التسممِ الحمليّ، ذلك القاتلُ الخفيّ الذي يُهددُ حياةَ الأمّ والجنينِ على حدٍّ سواء.

يُهدفُ التقريرُ إلى تسليطِ الضوءِ على مخاطرِ التسممِ الحمليّ في تعز، ودعوةِ الجهاتِ المعنيةِ إلى توفيرِ الخدماتِ الصحيةِ المُناسبةِ للنساءِ الحواملِ، وضمانِ حصولهنّ على رعايةٍ طبيةٍ مُتخصصةٍ تُنقذُ حياتهنّ، عبر قصصٍ حقيقيةٍ لنساءٍ واجهنَ مخاطرَ التسممِ الحمليّ في تعز، مثلُ قصةِ “عائشة” التي فارقتْ الحياةَ بعدَ صراعٍ معَ المرضِ، وقصةِ “حنان” التي ناضلتْ من أجلِ البقاءِ على قيدِ الحياةِ لكنها توفيت وتركت جنينها.

حلمٌ مُؤجّلٌ: عائشةُ تُفارقُ الحياةَ قبلَ أنْ تُصبحَ أمًّا

بعد مرور 12 عامًا من زيارة أغلب عيادات النساء والولادة في تعز وخارجها، أصبحت عائشة أُمًّا وتحقق حلمها الكبير هي وزوجها، لكن ذلك تحول إلى كابوس بعد أن فارقت عائشة الحياة أثناء الولادة.

في الشهر الخامس من الحمل أصيبت بتسمم الحمل، وتجددت معاناة عائشة وخوفها من فقدان طفلها خلال شهور الحمل، وفي الشهر التاسع من الحمل زاد الألم، فتم إسعافها إلى مستشفى الثورة لتوليدها قيصريًّا، كم نصحتها طبيبتها لتفادي متاعب الألم وخطورة توليدها طبيعيًّا، لكن إحدى الطبيبات في مستشفى السلامة لم تسمح بتوليدها قيصريًّا بحجة أنها لاتحتاج، فقط إنه ارتفاع ضغط حملي طبيعي.

ظلت عائشة تعاني ساعات من الألم ومخاض الولادة الطبيعية وأثناءها ارتفع الضغط ودخلت بغيبوبة لمدة شهر وفارقت الحياة بعدما دفعت حياتها ضريبة الأمومة، لأسباب كان يمكن الوقاية منها، مثل التدخلات الطبية الصحيحة.

تمر المرأة الحامل خلال أشهر الحمل بوضع نفسي سيئ ناتج عن تفكيرها الدائم في سلامة الجنين وسلامتها في ظل ضعف الخدمات الطبية المقدمة للنساء الحوامل في مدينة تعز وتدهور الوضع المعيشي وانعدام الأمن الغذائي، مما يؤدي إلى ارتفاع حالات التسمم.

ويعد التسمم الحملي أحد المضاعفات الخطيرة التي تصيب المرأة الحامل في الشهور الأخيرة، غالباً بسبب تلف أحد الأعضاء أو أرتفاع ضغط الدم، ويمكن تدارك الأم والجنين من خلال تقديم الرعاية الصحية المناسبة في الوقت المناسب ولكن الوضع يختلف تماماً في مدينة تعز المحاصرة حيث ينتظر الموت بلهفة التهام الأمهات الجدد وأطفالهن، ولتفادي ذلك تحتاج المراة الحامل إلى رعاية طبية خاصة وعناية فائقة للمحافظة على حياة الأم والطفل وينتهى الأمر غالباً بتعجيل وقت الولادة أو الإجهاض حسب مناسبة ذلك للحالة الصحية للأم الحامل.

 مؤشراتٌ خطيرةٌ لا يجبُ تجاهلها

وتشمل مؤشرات تقدم تسمّم الحمل وأعراضه الصداع، وآلام البطن في الجانب الأيمن من الجسم، والتورّم في الكاحلين والقدمين واليدين والوجه نتيجة احتباس الماء، وضيق التنفس، وظهور بقع داكنة، أو رؤية ضبابية وحساسية للضوء لذا يجب الانتباه لظهور أحد هذه الأعراض وسرعة التوجه لأقرب مركز صحي لتلقي الرعاية الجيدة.

وفي حين تظهر تلك الأعراض بشكل متكرر وتحتاج الرعاية والعلاج، وإلا فإن الضرر قد يصل إلى الكلى والكبد، والرئتين، والقلب، والعينين، وقد تتسبب في سكتة دماغية أو إصابة دماغية أخرى، بالإضافة إلى انفصال المشيمة المبكر، والولادة المبكرة، وضعف نمو الجنين.

وتقول دكتورة أمراض النساء والتوليد (سميرة الخليدي): “التسمم الحملي هو حالة صحية خطيرة تحدث لبعض النساء الحوامل ويُعرف هذا المرض أيضًا باسم ارتفاع ضغط الدم الحملي وتضيف الخليدي أن حالة التسمم الحملي خطيرة وتحتاج إلى رعاية طبية عاجلة، حيث أن إهمال أحد أعراضه قد يتسبب في مشاكل صحية خطيرة للأم والجنين“.

أما عن الأسباب فتقول الخليدي: “إن أسباب حدوث التسمم الحملي الدقيقة غير معروفة تمامًا، ولكن يعتقد أنها ترتبط بتغيرات في الأوعية الدموية والجهاز المناعي والتغذية وقد تكون النساء الحوامل اللواتي يعانين من ارتفاع ضغط الدم السابق والمصابات بالأمراض المزمنة والحمل بعد عمر 35 سنة، والحامل بالتوأم أكثر عرضة للإصابة بالتسمم الحملي“.

وذكرت الخليدي عن إجراءات الوقاية للإصابة بالتسمم: “الرعاية الطبية المنتظمة والتغذية الصحية والتقليل من التوتر والضغوط النفسية، وفي حالة الإصابة إجهاض الجنين أو العلاج المخصص خلال فترة الحمل والولادة المبكرة لسلامة الأم والجنين“.

 حكاية حنان: رحلةٌ في رحمِ الموتِ

في مدينةِ تعز كذلك، حيثُ الجراحُ تُخفيها غُبرةُ الحربِ، عاشتْ حنانُ، امرأةٌ بسيطةٌ، حلمُها الوحيدُ هو أنْ تُصبحَ أمًّا ،حملتْ في أحشائها جنينًا، فملأَ قلبها فرحٌ لا يُوصفُ، ولكنْ سرعان ما تحوّلَ ذلك الفرحُ إلى خوفٍ وقلقٍ، فظروفُ الحياةِ الصعبةُ وخدماتُ الصحةِ الإنجابيةِ المحدودةُ، كلّها عواملُ ساهمتْ في تعرّضها لِتسممٍ حمليٍّ خطيرٍ، واجهتْ صراعًا مُضنيًا، صراعًا بينَ مخاضِ الحياةِ ومخاضِ الموتِ، فبينما تُحاولُ جاهدةً أنْ تُحافظَ على حياةِ جنينها، كانتْ تُقارعُ في الوقتِ نفسهِ شبحَ الموتِ الذي يُهددُها.

عانت حنان من التسمم الحملي في الشهر الرابع من حملها، وبدأت بتناول الأدوية اللازمة. وفي الشهر السابع، شعرت بغثيان دم، فتم إسعافها إلى مستشفى السلامة. تم التواصل مع طبيبتها المتابعة، وأجريت لها عملية توليد قيصرية ونُقلت إلى غرفة خاصة بدلاً من نقلها إلى العناية الخاصة لحالتها الخطيرة.

في اليوم الثاني، تم نقل حنان إلى مستشفى الصفوة، وكانت حالتها خطيرة وتحتاج إلى تدخل طبي لمعالجة احتباس السوائل. أثناء تجهيز العملية، حضر طبيبها وأخرجها من العمليات بحجة أنها لا تحتاجها، ونقلها إلى مستشفى الجمهوري، حيث أجرى لها نفس العملية.

بعد العملية، أجري لحنان غسيل للكلى، وبالجلسة الثالثة لم تستحمل وفارقت الحياة بعد أيام من الألم والمعاناة، تاركين وراءها طفلها هدية عيد زواجها.

 أرقامٌ مُفجعةٌ تُنذرُ بمخاطرَ كبيرةٍ

وبحسبِ تقريرِ صندوقِ الأممِ المتحدةِ للسكانِ في اليمنِ لعامِ 2023، فإنّ حواليَ 5.5 مليونِ امرأةٍ وفتاةٍ في سنّ الإنجابِ في اليمنِ يعانينَ من محدوديةِ وانعدامِ خدماتِ الصحةِ الإنجابيةِ، وتموتُ امرأةٌ أثناءَ الحملِ والولادةِ كلّ ساعتينَ.

ويصفُ التقريرُ معدلَ وفياتِ النساءِ أثناءَ الحملِ والولادةِ في اليمنِ بأنّهُ من بينَ أعلىِ المعدلاتِ في المنطقةِ، وأنهُ “رقمٌ مُفجِعٌ للغايةُ” لأنّ أسبابهُ يمكنُ تلافيها بالكاملِ بالوصولِ إلى الخدماتِ الصحيةِ المناسبةِ.

وتشيرُ إحصائياتُ صندوقِ الأممِ المتحدةِ للعامِ 2022، إلى أنّ امرأةً واحدةً تموتُ كلّ ساعتينَ في اليمنِ أثناءَ الولادةِ لأسبابٍ عادةً يمكنُ الوقايةُ منها. وتحتاجُ 5.5 مليونٍ من النساءِ والفتياتِ في سنّ الإنجابِ إلى خدماتِ الصحةِ الإنجابيةِ، بينما تعاني 1.5 من النساءِ الحواملِ والمرضعاتِ من سوءِ التغذيةِ الحادّ.

وتحتاجُ 7.1 مليونٍ من النساءِ وصولاً عاجلاً إلى خدماتِ العنفِ القائمِ على النوعِ الاجتماعيّ، حيثُ تشكلُ النساءُ والأطفالُ ثلثَي الـ 4.5 مليونِ نازحٍ في البلادِ. مع وجودِ 12.6 مليونِ من النساءِ بحاجةٍ الى خدماتِ الحمايةِ والصحةِ الإنجابيةِ المنقذةِ للحياةِ.

لا ينبغي أنْ تُصبحَ الأمومةُ مُغامرةً محفوفةً بالمخاطرِ، بلْ يجبُ أنْ تكونَ تجربةً آمنةً ومُبهجةً لكلّ امرأةٍ. حانَ الوقتُ لوقفِ نزيفِ الأرواحِ في تعز، وضمانِ حصولِ جميعِ النساءِ على رعايةٍ صحيةٍ تُحافظُ على حياتهنّ وحياةِ أطفالهنّ.

(تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع غرفة اخبار الجندر اليمنية الذي تنفذه مؤسسة ميديا للإعلام والتنمية)

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية