مواد غرفة أخبار الجندر

29
فبراير

أجبرتهن الحاجة | نساء يلتحفن البرد ليلاً بشوارع صنعاء

 يحيى العكوري

على الرصيف الذي يقسم الشارع الدائري وسط العاصمة صنعاء ذهاباً وإياباً، تحتضن أم سامي صغيرها ذو الأربعة أعوام بجلباب يغطيها كاملاً، تناسق مع ظلام دامس في منتصف إحدى ليالي صنعاء الباردة، وهي مُنكسةً رأسها للأسفل، ولا يُرى إلا وجه الطفل الذي يظهر من بين غطاء خفيف لُحف به يبدو في سبات عميق من النوم.

لم نتمكن من الحديث معها لعدم رغبتها، لكن الموقف طرح علينا تساؤلات عديدة، كيف يقاومن موجات البرد التي وصلت هذا الموسم درجاته إلى تحت الصفر في صنعاء؟ ما الذي دفعهن للبقاء في الشارع إلى هذا الوقت؟

تتكرر هذه الحالة في كثير من شوارع صنعاء ليلاً، في ظاهرة جديدة للتسول برزت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.

لم يكن بوسع أحد البقاء في الشارع لساعة واحدة ليلاً في شتاء صنعاء إلا مضطراً؛ نظرًا لشدة البرد القارص، تخف الحركة كثيراً مع تواري النهار، ودخول الليل، وتغلق المتاجر عادةً قبل وقتها، وتبدو الشوارع شبه خالية، إلا من تلك النسوة اللواتي يبحثن عن لقمة عيش لإسكات إمعائهن وأولادهن.

لم تكن صنعاء تعرف هذه المظاهر قبل الحرب، لكن عوامل كثيرة دفع بهؤلاء النسوة إلى الخروج ليلاً طلباً للعون، وجلهن من النازحات.

التسول الليلي للنساء

“من يقبل على نفسه العذاب هذا بين البرد وهو مكتفي”!؟ ترد (خولة نعمان) -اسم مستعار- بعد أن سألناها عن سبب الخروج ليلاً؟، فتجيب: “في النهار لم نحصل على ما يكفينا مع كثرة المحتاجين وعن عودتها للمنزل ترد: “أحيانًا نرجع قبل الفجر”.

عشرات النساء يجلسن على جنبات الشوارع والأرصفة بعفة وتعفف دون أدوات تدفئة كافية، في محاولة للهروب من قسوة الحياة، وعندهن أولويات اللُقمة قبل الدفء، “فكيف لجسد أن يشعر بالدفء بمعدة فاضية” تقول (زينب خالد) إحدى النازحات من مديرية (حرض) محافظة حجة.

وتضيف: “أجلس أنا وأختي بين البرد إلى قريب الفجر ونحصل من 1500 إلى 3000 ريال يمني، (يعادل ما بين 3 إلى 6 دولار)”.

في محاذاة زينب تجلس (أم منذر) مع ابنها المولود، تقول إنها نزحت من الحديدة في عام 2018 ضمن أسر كثيرة تضررت من الحرب، واتجهت مع زوجها العامل على دراجة نارية إلى صنعاء؛ ليستقر بهم الحال في دكان وحمام صغير بأحد الأحياء الشعبية.

وبعد أن تعرض زوجها لحادث مروري جعله طريح الفراش، اضطرت للخروج إلى جنبات أحد الشوارع طلباً للمساعدة.

وتواصل أم منذر: “البرد أتعبنا كثيراً ابني المولود حصل له مضاعفات مرتين وتعب ولم نستطع إجراء فحوصات له، وما نحصل عليه لا يكفي مصروف يومي لنا”.

طفولة في الشتات

(بسمة) فتاة لم تتجاوز سن الخامسة عشر، قُتل والدها في الحرب بإحدى جبهات تعز، ونزحت برفقة شقيقها العشريني ووالدتها وأختها الصغيرة، تخرج بسمة مع جارتها أم محمد لمسح زجاج السيارات في إحدى الجولات بصنعاء حتى النصف الأخير من الليل؛ للحصول على أي مبلغ يؤمن وجبة الإفطار والغداء لها ولأسرتها الصغيرة.

تقول بسمة بوجه شاحب عليه لسعات البرد، وأيدي مشققة: “نتعرض أحياناً للمضايقة من بعض السائقين”، بلهجتها الشعبية تتابع: “البعض يتحرش بنا، ما يجيب لك مساعدة إلا بعد ما يحاول يضايقك، لكن مو نعمل قدحنا نتحمل”.

أسباب ودوافع

وحسب أخصائية اجتماعية ونفسية، نونا سعد، فإن الحرب خلَّفت تركةً ثقيلة على المرأة اليمنية، وجثمت بثقلها على المشردات اللواتي فقدن معيلهن، في صورة تجسد مأساة الحرب التي جنتها المرأة اليمنية.

وتقول نونا سعد: “إن توسع هذه الظاهرة أدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية وقطع الرواتب، وغياب فرص العمل، إضافةً إلى فقدان الكثير من الأسر لمن يعيلها، مع غياب شبه كامل لبرامج الدعم وما يقدم لا يفي بالغرض.

وقدرت (سعد) -وهي ناشطة بالمجال الإنساني- أن حوالي 26 % من إجمالي العائلات النازحة يَعُلنها نساء، الأمر الذي دفع بالكثير منهن بأعمارٍ مختلفة إلى اتخاذ طرق وأساليب مختلفة للحصول على أي مساعدات.

وفي السياق ذاته، يصف المحامي (سنان بيرق) المتسولات في الليل بالعفيفات الكادحات، وأن خروجهن ليلاً للتسول خيارٌ مرّّ اتخذنه للبقاء على قيد الحياة، والضرورة هي من أخرجتهن بدفي هذه الأوقات الحرجة.

وأضاف بيرق “يتحمل تجار الحروب وأرباب الأزمات مسؤولية تشرد هذه الشريحة من النساء في شوارع المدن بين البرد والمخاطر”.

معلومات وأرقام مخيفة

ووفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة فإن أكثر من ثلثي سكان اليمن يعيشون تحت خط الفقر و 23.4 مليون يمني أي (73 % من سكان البلاد) يعتمدون على المساعدات الإنسانية من أجل البقاء، وأن الحرب تسببت بنزوح 4.5 مليون شخص داخلياً.

وقالت مايا أميراتونغا ممثلة المفوضية: “تحدثت عن اليمن خلال مؤتمر التعهدات الرفيع المستوى الذي عقد في جينيف في 27 فبراير/شباط من العام 2023، وذكرت بأن هناك الكثير من القصص التي تفطر القلب.

كما أن 93 % من العائلات اليمنية النازحة لديها فرد أو أكثر يعانون من إصابة أو ضعف، وتولى الأرامل وغيرهن من النساء غير المتزوجات مسؤولية رعاية أسرهن، “وهو ما يثبته واقع كثير من النساء المشردات في الشوارع ليلاً طلباً للمساعدة”.

فيما أشار البنك الدولية في عرض له عن أزمة اليمن، إلى لجوء الكثير من الأسر اليمنية إلى بعض التدابير القاسية بعد أن استنفدت شبكات الأمان التقليدية، وأن 17 مليون شخص في اليمن يواجهون انعدام الأمن الغذائي، ويعاني 3.5 ملايين شخص من سوء تغذية حاد.

وحسب نتائج استطلاع إلكتروني أجراه مركز “يمن انفرميشن سنتر” حول ظاهرة التسوّل بشكل عام في اليمن، خلصت النتائج إلى أن النساء يشكلن ما نسبته 39 % من إجمالي المتسولين المنتشرين في شوارع اليمن.

(تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع غرفة أخبار الجندر اليمنية الذي تنفذه مؤسسة ميديا للإعلام والتنمية)

اشترك

اشترك في قائمتنا البريدية